قراءة في هجوم عدن.. والسر الكبير وراء عدم تسليم مقر الفرقة!!

فشل الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم القاعدة، الأربعاء2 أبريل الجاري، على مركز قيادة المنطقة العسكرية الرابعة في مدينة عدن، في تحقيق أهدافه خاصة فشل عملية الاقتحام، وعدم تجاوز المهاجمين البوابة الرئيسة وجزءاً من الساحة الداخلية للمنطقة، ومن ثم الفشل في الوصول إلى مقر القيادة للسيطرة عليه وتصفية القيادات المتواجدة فيه وأخذ رهائن والتحصن فيه لأطول فترة ممكنة، كما حصل في هجومي صنعاء والمكلا أو على الأقل تفجير المبنى بصورة مشابهة لتفجيرهم مقر اللواء المرابط في أبين العام الماضي.

-يعتبر هذا الهجوم الأول من نوعه منذ أشهر طويلة، الذي تخفق القاعدة في تحقيق أهداف واضحة منه، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب متداخلة أهمها:

* التحسن الواضح في أداء عناصر الجيش والأجهزة الأمنية المتواجدة داخل المنطقة الرابعة وفي مدينة عدن عموماً، فقد أظهر الجنود قدرة في التعامل مع المهاجمين بشكل أفضل بكثير من قدرة نظرائهم خلال هجومي مجمع وزارة الدفاع والمنطقة الثانية بالمكلا، فتمكنوا من إفشال عملية الاقتحام وقتل جميع الإرهابيين ومنع عدد منهم من الفرار وسرعة سيطرتهم على الوضع خلال ساعات معدودة.

* عدم وجود أي اختراق أمني لقيادة وأفراد المنطقة العسكرية الرابعة، ويبدو جلياً أن عدم وجود عملاء للقاعدة داخل المنطقة قد حرم المهاجمين من الحصول على أي تسهيلات أو معلومات تسهل عملية الاقتحام كما حدث في عمليات إرهابية سابقة.

أخطاء مكررة:

- لكن الأمر لم يخلُ من بعض السلبيات أو بالأصح تكرار الوقوع في ذات الأخطاء التي حالت دون إفشال هجمات إرهابية سابقة، ويمكن ملاحظة تلك الأخطاء من خلال:
* إشارة بيان اللجنة الأمنية بمحافظة عدن إلى حصول إطلاق نار من بقية العناصر الإرهابية من منازل مجاورة ومن المنطقة المحيطة بقيادة المنطقة، متزامناً مع تفجير السيارة المفخخة، يؤكد ضعف الإجراءات الأمنية والاستخباراتية اللازم اتخاذها لضمان توفير الأمن في محيط المنطقة العسكرية خاصة بعد استخدام الإرهابيين للمنازل المجاورة لمقر وزارة الدفاع بالعاصمة خلال هجومهم الإرهابي في ديسمبر الماضي.
* في حال صحة ما ذكره مصدر في الاستخبارات العسكرية بمحافظة عدن لوكالة "خبر" عن تلقي عمليات المنطقة الرابعة منذ خمسة أيام تهديدات عن هجوم سينفذ على قيادة المنطقة خلال أيام، وعدم إعطاء العمليات أي اهتمام لتلك التهديدات، فإننا نجد أنفسنا أمام مشكلة حقيقية تتمثل في تكرار القيادات الأمنية المعنية لنفس الأخطاء التي ارتكبت في عمليات القاعدة السابقة، وسواءً كان السبب راجعاً للإهمال أو قلة خبرة أو عدم كفاءة العناصر الأمنية والمخابراتية، فان إفشال أي هجمات جديدة للقاعدة لا يمكن أن يحدث قبل معالجة هذه المشكلة.
* رغم تكرار لجوء العناصر الإرهابية لأسلوب الهجوم المزدوج في هجماتها الأخيرة على العرضي والسجن المركزي وهجمات أخرى، ونجاح ذلك في تشتيت انتباه وتركيز الجنود عن الهجوم الرئيس ومحاولة اقتحام المقر، ومع ذلك يبدو جلياً عدم تلقي الجنود للتدريبات اللازمة لكيفية التعامل المناسب مع مثل هذا النوع من الهجمات الذي يعتمد عليه القاعدة في نجاح عملياته.
* لاشك أن تجاوز الإرهابيين، بما معهم من سيارة مفخخة وأسلحة، إلى منطقة أمنية شديدة التحصين في عدن، يؤكد وجود ثغرة كبيرة في الإجراءات الأمنية المتبعة، فرغم الإجراءات المشددة وانتشار عشرات النقاط الأمنية في شوارع العاصمة وعدن والمدن الرئيسة الأخرى، إلا أن تلك الإجراءات عجزت عن منع إدخال الإرهابيين للسيارات المفخخة والأسلحة المتوسطة والخفيفة من راجمات صواريخ وأسلحة رشاشة وقنابل يدوية وغير ذلك، ومن الواضح عجز النقاط الأمنية في القيام بدورها دون حصولها على المجسات الالكترونية الكاشفة للقنابل والأسلحة، والتي تتوافر لدى عناصر الأمن في الفنادق والشركات الخاصة؛ كونها غير باهظة الثمن، والمحصلة الوحيدة المتوقعة لأداء النقاط الأمنية من دون تلك المجسات ستكون التسبب في الزحام وإرباك حركة المرور في الشوارع لا أكثر.

استهداف اللواء الصبيحي

ـ يبدو أن الهدف الرئيس من الهجوم الإرهابي، كان تصفية قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء محمود الصبيحي، خاصة أنه نفذ في الساعة العاشرة والربع وليس في ساعات الصباح الأولى، كما اعتادت عليه القاعدة عند تنفيذ معظم عملياتها، ويبدو أن تأخير ساعة الهجوم كان من أجل ضمان تواجد الصبيحي وبقية قيادة المنطقة في مكاتبهم أثناء عملية الاقتحام.

- استهداف الصبيحي يعزز من صحة الأخبار حول سعي القاعدة لاستعادة السيطرة من جديد على أبين في الفترة المقبلة، لأن التخلص من اللواء الصبيحي يعتبر خطوة ضرورية لتحقيق ذلك خاصة أن الجهود التي يبذلها مع القبائل والمواطنين في أبين من أجل تفعيل المشاركة المجتمعية في محاربة الإرهاب، من شأنها تعقيد مهمة القاعدة وإضعاف قدرتها في تحقيق هدفها في السيطرة على أبين من جديد، كما لا يستبعد رغبة قوى نافذة في التخلص من اللواء الصبيحي، كما تخلصوا قبل ذلك من الشهيد سالم قطن، باعتباره من القيادات العسكرية التي يمثل وجودها في الجيش عقبة تحول دون استعادة تلك القوى سيطرتها ونفوذها على المنطقة الرابعة والجيش عموماً.

- سعت بعض القوى النيل من وزير الدفاع مستغلة تزامن وقوع الهجوم الإرهابي في عدن مع الزيارة التي يقوم بها إلى الولايات المتحدة تارة بالتلميح إلى تورطه في الهجوم ومحاولة التخلص من الصبيحي كمرشح محتمل لخلافته في منصب وزير الدفاع، وتارة أخرى اعتبار تكرار وقوع الهجمات الإرهابية خلال سفر الوزير خارج اليمن على أنه إهمال ولامبالاة وعدم اكتراث من الوزير تجاه ما يحصل رغم سقوط مئات من رجاله في تلك الهجمات .

- لكن في الواقع أن ذلك الاستهداف له علاقة بمواقف الوزير من الوضع في عمران ومن تسليم مقر الفرقة الأولى ومن دوره في احتواء الهبة الحضرمية ومن عملية إعادة الهيكلة ومن إجراء المباحثات مع الجانب الأمريكي خاصة ما يتعلق بالحوار الاستراتيجي بين بلادنا والولايات المتحدة بعيداً عن عيون وآذان مراكز القوى في البلاد.

- يوحي تعاظم نشاط وخطر القاعدة والحوثيين في الأشهر الأخيرة إلى تركيز مراكز النفوذ في استخدام ورقتي القاعدة والحوثيين بصورة رئيسة في محاولاتها مواصلة الضغط على الرئيس هادي خاصة مع تراجع واضح في قدرة تلك القوى في استخدام ورقة الحراك، التي على ما يبدو أن السياسة التي اتبعها هادي بهدف تفكيك واحتواء الحراك قد أضعفت كثيراً قدرة تلك القوى في مواصلة استخدام ورقة الحراك ضده.

- الهجوم جاء بعد يومين من إعلان القاعدة عن تشكيل فصيل جديد لها في المناطق الوسطى وبعد يوم من الهجوم الإرهابي في جبل راس بالحديدة، ومن غير المستبعد أن القاعدة كانت تخطط لشن هجوم مزدوج يستهدف مقر القيادة العسكرية الرابعة في عدن والخامسة في الحديدة في الوقت ذاته، لكن ما حصل في النقطة الأمنية بالحديدة أفشل ذلك.
المقلق في الأمر أن بدء القاعدة التخطيط لشن هجمات في أكثر من محافظة في وقت واحد، يشير إلى تطور سريع ونقلة نوعية في نشاط وقدرات التنظيم في بلادنا خاصة أن الفلم المصور الذي بثته القاعدة قبل أيام لعملية استقبال مئات من المسلحين للعناصر التي فرت من السجن المركزي، يكشف عن حجم الإمكانات الكبيرة التي بات يمتلكها التنظيم.

- يظل تبرير إدارة موقع "عدن أونلاين" المحسوب على حزب الإصلاح بشأن نشره لخبر الهجوم الإرهابي على مقر قيادة المنطقة العسكرية الرابعة قبل وقوعه بحوالى ساعة غير مقنع للكثيرين، ومن غير المنطقي أيضاً نشر الموقع لمثل هذا الخبر من باب السبق الصحفي رغم ما قد يتسبب فيه من إفشال الهجوم، وربما اعتباره دليلاً على وجود علاقة ما لإدارة الموقع بالهجوم.

- بصورة مشابهة كان تبرير تنظيم القاعدة في بيانه الذي تبنى فيه الهجوم الإرهابي غير مقنع ومجافياً للمنطق، حيث قال إنه "استهدف مقر قيادة يمني- أميركي مشترك للضربات التي تنفذها الطائرات من دون طيار، وكان بالإمكان تقبل مثل هذا الكلام لو كانت قاعدة العند العسكرية هي المستهدفة من الهجوم الإرهابي مع تواجد مدربين أمريكيين فيها.

السر الكبير وراء عدم تسليم مقر الفرقة؟!

ليس بخاف أن تلكؤ ومماطلة الجنرال العجوز في تسليم مقر الفرقة الأولى مدرع إلى أمانة العاصمة بهدف تحويلها إلى حديقة عامة قد ألحق به أضراراً كثيرة، منها:
* تحول الجنرال بسبب ذلك إلى مصاف المعرقل الأول لعملية استكمال نقل السلطة وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني مع استمرار رفضه تنفيذ قرار جمهوري خاص بالقضية الأشد حساسية في التسوية السياسية المتعلقة بإعادة هيكلة الجيش، ومن ثم أصبح الجنرال في مقدمة المعنيين بالعقوبات التي يلوح بها مجلس الأمن الدولي في قراره 2140 .
* تسببت هذه القضية في توتير علاقة الجنرال بالرئيس هادي كونه يرفض تنفيذ قرار أصدره الرئيس منذ ما يقارب العام، وأصبحت هذه القضية مؤشراً على نوع العلاقة بين الرجلين، فتسليم المقر سيدل على استقلالية الرئيس وقدرته على تنفيذ قراراته وسياساته على الجميع وفي مقدمتهم مستشاره، أما استمرار المماطلة فيعني أن الجنرال لا يزال يمتلك قوة ونفوذاً يجعله يعتقد أنه لا يزال الأقوى وصاحب الكلمة النهائية في البلاد.

- ورغم الضغوط الكبيرة التي مارسها عدد من الديبلوماسيين الغربيين في بلادنا كالسفيرة البريطانية وممثلة الاتحاد الأوروبي وديبلوماسيين أمريكيين وألمان وهولنديين على الجنرال خلال لقاءاتهم المتكررة به في الأشهر الماضية لتسليم مقر الفرقة، إلا أنه لما يزال يماطل ويناور تارة بإبرازه عقود تثبت امتلاكه لنحو ثلث مساحة الأرض، وحتى لو افترضنا صحة تلك العقود، فإن عملية الشراء تمت من المخصصات المالية لقوات الفرقة في تلك الفترة، بمعنى أن تقديمه لتلك العقود إنما يقدم دليلاً يدينه بنهب المال العام، كما أنه بهذا التصرف يكشف عن نظرته لقوات الفرقة كقوات خاصة به وجزء من ممتلكاته.

- ومع تصاعد الضغوط عليه في الفترة الأخيرة لجأ إلى مناورة جديدة، وهذه المرة عبر جنود في الفرقة أو من أسماهم أبناء المنطقة العسكرية السادسة في البلاغ الصادر عنهم في مارس المنصرم ضمنوه شروطهم للقبول بتسليم الفرقة، وإذا كان الجميع يؤيد مطالبة هؤلاء رفع ﺧﻴﺎﻡ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﺳﺎﺣﺔ الجامعة، ونزع السلاح ﺍﻟﺜﻘﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ المسلحة، لكن الحقيقة أن تلك الشروط ليست سوى "كلمة حق يراد بها باطل"، فهي شروط من الصعب تنفيذها في ظل الوضع الراهن، كما أنها تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها وهنا مربط الفرس.

- والغريب هنا أن البيان المنسوب إلى الجنود يفهم منه وكأن أرض الفرقة تم تمليكها لهم، وهذا أمر غير منطقي، فالأرض التي تقام عليها المعسكرات هي أراض مملوكة للدولة، كما أن مطالبة الجنود ﺗﺠﻬﻴﺰ مكان ﻟﻬﻢ بديل ﻋﻦ ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ الأولى ﻣﺪﺭﻉ كثالث شروطهم لتسليم مقر الفرقة معناه عدم الاعتراف بالقرار الجمهوري الذي تم بموجبه حل قوات الفرقة وتوزيع وحداتها على قوات أخرى، أما بالنسبة للمنطقة العسكرية السادسة فمقرها معروف في عمران.

- أعتقد، جازماً، أن سبباً آخر ربما يكون وراء لجوء الجنرال للمناورة باستمرار في هذه القضية تتجاوز مسألة رغبته في اقتطاع جزء من مساحة الفرقة له ولشركاه، وهو على ما يبدو أمر حرص على إخفائه طوال العقود الماضية ويخشى من انكشافه لأنه سيلحق ضرراً فادحاً به وبحلفائه السابقين وربما الحاليين أيضاً، هذا الأمر قد يكون مرتبطاً بأحداث 1978م وربماً بأحداث حرب صيف 1994م أيضاً، فاتساع مساحة الفرقة ربما جعلها مكاناً مناسباً لاستضافة المخفيين قسراً منذ عقود، كما أن هناك ما يكفي من الأرض لتحويل جزء منها لمقابر لمن مات منهم فرادى أو جماعات.

- لذا لا أستبعد أن يبحث الجنرال عن مبررات أخرى للمماطلة وعدم تسليم المقر إلى أن يجد حلاً يضمن معه عدم انكشاف سره، وربما تتحول تندرات صديقي عنتر إلى حقيقة ونسمع الجنرال يطالب بعودة مرسي إلى الحكم وتنحي بشار الأسد وانسحاب القوات الروسية من القرم كشروط جديدة لتسليم مقر الفرقة.. ربما من يدري؟!


[email protected]

* أسبوعية "المنتصف"