استنفار شرقي سوريا.. تركيا تناور واحتمالات المواجهة العسكرية مفتوحة

تمر الأيام ببطء في مناطق شمال وشرق سوريا، وخاصة قبالة مدينة عين عيسى الواقعة في ريف الرقة الشمالي، والتي تقود جميع المؤشرات في محيطها إلى عملية عسكرية مرتقبة اتجاهها من جانب تركيا وفصائل "الجيش الوطني" التي تدعمها، وفي المقابل هناك حذر وترتيبات غير معلنة قد تدفع باتجاه آخر، في ظل صمت رسمي من جانب أنقرة وموسكو صاحبتا اليد الطولى في المنطقة.

على الأرض، قصف واشتباكات لم تهدأ منذ أسابيع في عين عيسى، والتي تحظى بمكانة عسكرية وسياسية كبيرة بالنسبة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، كونها تعتبر العاصمة السياسية لها من جهة، وعقدة الطرق التي يمثل سقوطها ضربة قاسمة لمشروع "الإدارة الذاتية" في مناطق شمال وشرق سوريا. 

جندي تركي يقف بجانب مدرعة على الطريق السريع بالقرب من مدينة عين عيسى شرقي سوريا

وحسب ما يوضح الواقع الميداني في المنطقة الشرقية لسوريا فقد فرضت معادلة على الأرض باتجاهين، الأول من جانب تركيا وفصائل "الجيش الوطني"، والتي تشهد جبهاتها استنفارا واستعدادات غير مسبوقة لبدء هجوم بري في أي وقت، أما في الاتجاه الآخر فهناك "قسد" التي تناور حتى الآن مع روسيا ونظام الأسد من جهة، وتلعب على حافة الهاوية مع الأتراك من جهة أخرى. 

ما الذي تريده "قسد"؟

المناورة التي تعمل عليها "قسد" تمثلت، في الأسبوع الأخير بطريقة تعاطيها مع الروس والنظام السوري من باب إدخالهما إلى عين عيسى لإنهاء ذرائع تركيا في الهجوم، وهو ما لم يتم حتى الآن، رغم حديث وسائل إعلام الأسد عنه وتأكيده.

ولم تتضح الأسباب التي دفعت "قسد" لعدم القبول بدخول الروس وقوات الأسد إلى عين عيسى، لاسيما أنه سيناريو كانت قد قبلت به في وقت سابق، في مدينة عفرين في عام 2018 ومؤخرا في عدة مناطق حدودية في الأيام التي تبعت إطلاق عملية "نبع السلام" في عام 2019.

نازحون سوريون في مخيم عين عيسى

وفي الوقت الذي رفضت فيه "قسد" تسليم عين عيسى بشكل كامل للنظام وروسيا، اتجهت إلى مهاجمة وانتقاد الأخيرة بشكل غير مسبوق، واتهمتها بـ "المتاجرة مع الأتراك"، للسيطرة على المنطقة بشكل كامل. 

ومنذ أيام كانت الرئيسة المشتركة لمكتب العلاقات الدبلوماسية لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي" (pyd)، ألماز رومي، قد قالت إن روسيا "تتاجر حسب مصالحها، لذلك تلتزم الصمت حيال الهجمات التركية على المنطقة"، مضيفة أن "روسيا تسمح لتركيا باحتلال المنطقة".

ومع غياب أية مؤشرات حتى الآن حول قبول "قسد" بالخيار المذكور بإدخال الروس وقوات الأسد إلى عين عيسى لا يبقى أمامها سوى خيار المواجهة، والذي وحسب مراقبين سيكون الخيار الصعب، كونها ستواجه استهدافا لا يقتصر على البر فقط، بل سيكون من الجو، من خلال الطائرات المسيرة التركية، التي لا تغادر أجواء المنطقة، منذ أيام. 

"تعبئة على ثلاث جبهات"

على الضفة المقابلة من معادلة شرق سوريا يقول قيادي عسكري في الفصائل التي تدعمها أنقرة إن الأخيرة طلبت منهم ومنذ أسبوعين "تعبئة عسكرية كاملة"، على أن يتم إطلاق هجوم بري على جبهة من ثلاث جبهات.

والجبهات الثلاث حسب ما عرضها القيادي العسكري لـ "موقع الحرة" من دون الكشف عن اسمه هي: جبهة منبج في ريف حلب الشرقي، وجبهة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، ومثلث الحدود السورية- العراقية- التركية.

ويضيف أن "التعبئة" انسحبت على جميع الفيالق المكوّنة لـ "الجيش الوطني"، والتي يبلغ عددها ثلاثة، على أن يتمركز مقاتلو "الفيلق الأول" قبالة عين عيسى، أما "الفيلق الثاني" فتحددت مهامه في منطقة رأس العين وأقصى الحدود السورية مع العراق، في حين يتولى "الفيلق الثالث" جبهات مدينة منبج في ريف حلب الشرقي.

ورغم ما سبق ومع "أجواء الحرب" التي تسيطر على مشهد شمال شرق سوريا، إلا أنه وحتى الآن لم يصدر أي موقف رسمي من جانب أنقرة، وفي مقابل ذلك أيضا لم تعلق موسكو على اتهامات "قسد"، وعلى موقفها من التصعيد الحاصل. 

قواتتابعة للنظام السوري قرب عين عيسى

 ولاتزال أنقرة تعبر عن نيتها إبعاد أي خطر على طول حدودها الجنوبية مع سوريا، وعلى الرغم من سيطرتها على المساحة الممتدة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، إلا أنها "غير راضية" عن هذا الحد فقط، وهو أمر يؤكد عليه المسؤولون العسكريون والسياسيون الأتراك بين الفترة والأخرى.

من جانبه لم يؤكد أو ينفي المتحدث باسم "الجيش الوطني السوري"، يوسف حمود، قرار "التعبئة" الذي طلبته أنقرة من الفصائل العاملة في ريف حلب، مشيرا إلى أنه غير مخول بالحديث عن هذا الأمر.

وأضاف حمود المقيم في ريف حلب خلال اتصال هاتفي مع "موقع الحرة" أن ما تشهده عين عيسى من تصعيد يأتي من أجل تنفيذ أعمال قتالية لغايات محددة، متحفظا عن ذكر أي تفاصيل تتعلق بما ستشهده الأيام المقبلة، سواء ببدء العمل العسكري أم بقاء حدود السيطرة على حالها.

انقسام داخلي تركي

يتفق المحللون أن تركيا تتحرك على طول حدودها بـ "استراتيجية النفس الطويل"، وهو ما تم تطبيقه في مناطق "درع الفرات" وعملية "غصن الزيتون"، ومؤخرا عملية "نبع السلام"، والتي لم تكتمل حتى الآن، وقد تستكملها أنقرة على طول الشريط الحدودي، في أي وقت، وحين تسمح لها الظروف بذلك، بعد تلقي الضوء الأخضر من القوى الدولية الأخرى الفاعلة في المنطقة، على رأسها واشنطن.

لكن الضوء الأخضر الذي يحكم قرار أنقرة بالتحرك عسكريا لا يقتصر تلقيه من القوى الدولية والفاعلة فقط، بل يرتبط بالشأن الداخلي، والتوازنات التي يحاول الحزب الحاكم الالتزام بها. 

مقاتلون تابعون لقوات قسد

يشير الباحث سوري المطلع على الشأن التركي تحدث عن خلاف داخلي تركي قائم، حيث لم يتم اتخاذ قرار العودة إلى العمل العسكري ضمن عملية "نبع السلام" حتى الآن، بينما تدفع المؤسسة العسكرية والأمنية التركية باتجاه مطالبة الولايات المتحدة وروسيا بتنفيذ بنود اتفاق "سوتشي" عام 2019، والتفاهم بخصوص سحب "قسد" من الحدود ومن منبج.

ويقول الحسن في تصريحات لـ "موقع الحرة" إن "الهدف حتى الآن هو الضغط العسكري لتنفيذ التفاهمات وليس فرض واقع ميداني جديد، رغم أن حزب الحركة القومية (حليف حزب العدالة) يضغط باتجاه العمل العسكري لاستعادة كافة الحدود والسيطرة عليها، خاصة الكريدور الأمني لحزب العمال الكردستاني في المثلث الحدودي التركي السوري العراقي".

ويضيف الحسن، المقيم في مرسين، أن ما يجري من تصعيد قبالة عين عيسى يأتي ضمن إطار قرار تم اتخاذه بشكل غير مكلف سياسيا.

وبموجب القرار ستتولى فصائل "الجيش الوطني" عملية محدودة، ذات أهداف تتعلق بإيقاف الاختراقات الأمنية والمفخخات، بدعم من المدفعية التركية، بعيدا عن أي عملية عسكرية موسعة بتدخل تركي مباشر.

ويشير الباحث السوري إلى أن تركيا تختبر بهذا التكتيك الموقف الأوروبي والأمريكي أولا، وكذلك تضغط عسكريا على "قسد" لتحسين المفاوضات السياسية المقبلة معها، سواء عبر الروس أو عبر الأمريكان. 

الاحتمالات مفتوحة 

إلى جانب ما سبق ومع غياب الموقف الرسمي التركي الروسي عما يحصل في شرق سوريا تبقى الاحتمالات والسيناريوهات المقبلة مفتوحة، سواء بإبقاء حدود السيطرة على حالها أو تغييرها بشكل جذري، كما حصل منذ قرابة عام. 

وحسب ما قال مصدر إعلامي مقرب من "قسد" في تصريحات لـ "موقع الحرة" فإن "هناك استنفار عسكري واستعدادات تشي بقرار اتخذ للمواجهة، بعيدا عن أي اتفاق".

ويضيف المصدر، المقيم في القامشلي أن القاعدة الروسية في المدينة شهدت عدة اجتماعات بين ضباط روس ومسؤولين في "قسد"، في الأيام الماضية، من أجل حل قضية الانتشار في عين عيسى، إلا أنها لم تفض إلى أي نتيجة، مع رفض القوات الكردية الانسحاب بشكل كامل من المنطقة، وتسليمها لنظام الأسد. 

قوات تركية في قرى سورية حيث تقدم دعما للفصائل الموالية لها شرقي البلاد

وبوجهة نظر الباحث السوري، أحمد الحسن فإن "قسد" تنتظر موقفا أميركيا أوروبيا حول ما تشهده مناطقها من تصعيد، لذلك تريثت ورفضت أي اتفاق يقضي بالانسحاب من عين عيسى. 

ويتابع الباحث: "في حال وجدت أن دورهما (أميركا، أوروبا) لن يتجاوز الإدانة والتهديد بالعقوبات، فلن يكون أمام قسد سوى خيار المواجهة العسكرية، أو التنازل لروسيا أو الولايات المتحدة للتفاوض مع تركيا".

أما بالنسبة لتركيا فعلى الرغم من قدرتها على تنفيذ الهجوم، إلا أنها لم تتخذ قراره حتى الآن.

ويوضح الباحث أن الضغوط العسكرية لتركيا في شرق سوريا تحسّن ظروف التفاوض مع الروس في إدلب، مشيرا إلى أن الأمور بداية العام تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، وفي حال خرجت الأهداف المذكورة عن سيطرتها لن يبقى أمام أنقرة سوى فرض الواقع العسكري في شرق الفرات، وفي إدلب أيضا.