دراسة جديدة تكشف بعضا من ألغاز "مأساة جبال الأورال" الغامضة

قبل 62 عامًا، انطلق تسعة متزلجين قاصدين "جبل الموت" شمال الأورال، فتحولت التفاصيل المروّعة لاختفائهم مادةً لكوابيس الخيال السينمائي، ولكن أيضا موضوعاً للبحث العلمي في محاولة لفهم ألغاز إحدى أغرب حوادث القرن العشرين.

حادث ممر دياتلوف في شرق "جبل الموت" شمال جبال الأورال بروسيا (الاتحاد السوفييتي آنذاك)، كان مروّعاً وغامضاً عجزت محاولات الباحثين والمحققين عن تقديم تفسير شامل ومقنع لوفاة تسعة متنزهين ليلة (الأول إلى الثاني من فبراير/ شباط 1959). بعد الحادث ثمّ تغيير اسم الجبل وبات يسمى "ممر ديتلوف"، وهو اسم قائد مجموعة المتنزهين (إيغور ديتلوف) الذين قضوا حتفهم في ظروف تشبه سيناريوهات الخيال العلمي. فريق الخبراء الذي كلفته السلطات السوفييتية بالتحقيق خلص إلى أن "قوة مجهولة لا تقاوم" هي من تسببت في مقتل المغامرين. بعدها تم حظر المنطقة التي شهدت الحادث الغامض على العموم لمدة ثلاث سنوات.

المحققون توصلوا إلى خلاصة مفادها أن المتنزهين مزقوا خيمتهم من الداخل وخرجوا حفاة الأقدام أو مرتدين لجواربهم في الثلج. عُثر على جثث الضحايا على بعد 1.5 كيلومتر من موقع المعسكر. خمس منها لم تظهر عليها علامات الضرب أو الجرح أو التصارع، لكن جثتان أخريين حملت علامات غريبة. كما عثر المحققون على مستويات عالية من الإشعاع لدى بعض الضحايا. ومنذ ذلك الحين ظهرت فرضيات متعددة لتفسير الحادث الغامض، منها من يقترب من الخيال العلمي ومنها من ظل ملتزما بمنطق العقل والعلم، آخرها دراسة نقل تفاصيلها موقع "سينيكس" العلمي الألماني (الأول من فبراير/ شباط 2021).

أغرب من الخيال ـ قصة الحادث المرعب

مجموعة المتنزهين كانت من ذوي الخبرة في رحلات التزحلق الطويلة في جبال الأورال الشمالية بإقليم سفيردلوفسك. كان هدف المشاركين الوصول إلى جبل أوتورتين الواقع على بعد عشرة كيلومترات شمال موقع المأساة. يتعلق الأمر بمسار جبلي من "الفئة الثالثة"، وهي الأكثر صعوبة. في مساء يوم الثاني من فبراير/ شباط من عام 1959، كانت البعثة على بعد عشر كيلومترات من أوتورتين وأقامت معسكرًا هناك لليوم الأخير قبل الوصول للهدف. اختيار الموقع كان قراراً غريباً، لأنه على بعد كيلومتر واحد فقط توجد غابة توفر مأوى أفضل وأكثر أماناً.

قبل انطلاق الرحلة الاستكشافية، كان هناك اتفاق أن يرسل دياتلوف برقية إلى ناديهم الرياضي في موعد لا يتجاوز 12 فبراير/شباط. ورغم عدم توصل النادي بالبرقية في الموعد المحدد، إلا أنه لم يتحرك لأن التأخير لبضعة أيام كان شائعًا في ذلك النوع من الرحلات. وجاء رد الفعل على اختفاء البعثة، إلا بعد ضغط عائلات المتنزهين، فأعدّ فريق إنقاذ (من الطلاب والمعلمين) وأرسل إلى عين المكان، لينضم إليه لاحقا الجيش والشرطة باستخدام الطائرات والمروحيات في عملية البحث.

في 26 فبراير/شباط، عثر فريق الإنقاذ على معسكر البعثة، ووجد أن الخيمة تعرضت لأضرار بالغة، فيما لا تزال أحذية ومعدات المغامرين في المعسكر وكأنهم غادروه حفاة الأقدام أو مرتدين لجواربهم فقط. اقتفى فريق الانقاذ آثار أقدام قادتهم إلى الغابة القريبة شمالا على الجانب الآخر من الممر، على بعد 1.5 كيلومتر تقريبا. وتحت شجرة صنوبر كبيرة، عثر فريق على بقايا نار المخيم وجثتين بأقدام حافية وبملابس داخلية فقط، فيما يبدو أن الضحيتين حاولتا تسلق الشجرة. كما عثر الفريق بين الشجرة والمخيم على جثتين إضافيتين يبدو أن صاحبيها كانا يحاولان الرجوع إلى المعسكر وقت حدوث الوفاة. في الخامس من مارس / آذار تمّ العثور على جثتين إضافيتين في نفس الموقع. فيما استغرق البحث عن الجثث الأربع المتبقية أكثر من شهرين إضافيين ولم يتم العثور عليها إلا في الرابع من مايو/ أيار تحت عمق أربعة أمتار تحت الثلج بملابس أفضل من غيرها، لكنها ملابس لمتنزهين آخرين (أولئك الذين تم العثور على جثثهم أولا). مات الضحايا الأربعة بطريقة عنيفة للغاية والجثث في حالة سيئة بين من كُسرت ضلوعه وقطع لسانه واختفت عيناه أو كسرت جمجمته في مشاهد مروعة زادت من غرابة وغموض الحادث.

طيف من التكهنات بشأن أسباب الكارثة

سؤال لا يزال يحيّر المؤرخين والباحثين إلى يومنا هذا: لماذا وكيف مات المتنزهون التسعة؟ أسئلة تظل بلا جواب كامل ونهائي إلى يومنا هذا، غير أن الموضوع لم يطاله النسيان وظل يقض مضجع الرأي العام الروسي والمهتمين من مختلف أنحاء العالم، وهو ما دفع مكتب المدعي العام الروسي إلى استئناف التحقيقات في القضية بناء على طلب من الضحايا عام 2019. بعدها بقليل طلب صحفي من "نيويورك تايمز" الأمريكية من خبير الانهيارات الجليدية يوهان غاومه من جامعة البوليتكنيك في لوزان عن رأيه حول الأسباب المحتملة لحادث "جبل الموت"، فقَبل النظر في القضية رفقة زميله ألكسندر بوزرين من جامعة زوريخ. موقع "سينيكس" الأكاديمي كتب أن طبيعة هذا الحادث المروع تزعج إلى يومنا هذا المجتمع العلمي بقدر ما تزعج المحققين (..) إذ ظهرت أكثر النظريات جنونًا، بدءًا من مجرم متعطش للدماء إلى أيادي أجنبية.. إلى تجارب حكومية سرية" بل وحتى قوى فضائية غامضة. موقع "شبيغل أونلاين" (29 يناير/ كانون الثاني 2021) نشر مقالا حول هذه الدراسة تحت عنوان "أجسام فضائية من الثلج"، في إشارة إلى الفرضيات المجنونة التي توالدت منذ أكثر من ستة عقود.

من التفسيرات المحتملة التي أثارت اهتمام المحققين منذ البداية، تلك التي تُعزي أسباب الحادث لانهيار جليدي قد يكون جرف الضحايا. غير أن عددا من المؤشرات تناقض هذا التفسير، منها أن المحققين لم يعثروا على أي دليل بهذا الشأن. كما أن المنحدر فوق المخيم لم يكن يتجاوز 23 درجة، وهو بالتالي مسطح لا يسمح بحدوث انهيار جليدي. إضافة لكون إصابات بعض الضحايا في الصدر والجمجمة غريبة وغير عادية في حوادث الانهيارات الجليدية. وبهذا الشأن أوضح غاومه أن "التحقيقات السابقة عجزت عن تفسير إمكانية حدوث انهيار جليدي في منتصف الليل، إذا لم يتساقط الثلج في المساء السابق".

الانهيار الجليدي ـ فرضية غاومه وبوزرين

استعمل غاومه وبورزين عدة نماذج متنوعة قبل أن يستخلصا نتائج قد تقرب الباحثين والمهتمين من إماطة اللثام عن لغز دام أكثر من ستة عقود. افترض الباحثان أن فريق المتزلجين حفروا حفرة في الغطاء الثلجي على منحدر "جبل الموت" لحماية خيمتهم من الرياح. وأضاف بوزرين موضحا "لو لم يحفروا في المنحدر، لما حدث شيء". كان هذا هو العامل الأول، لكنه لم يكن كافيا لتفسير ما حدث. ولكن هناك عامل ثاني يتعلق برياح قوية من نوع خاص تسمى  (katatabischer Wind)تحدث من أعلى المنحدرات إلى أسفلها بفعل الجاذبية التي تحرك الهواء الباردي الذي يتكوّن فوق الثلج أو الأسطح الجليدية. يقول بوزرين "ربما حملت هذه الرياح الثلج الذي كان تَجمع ببطء". والنتيجة هو تراكم كتلة كثيفة من الثلوج فوق الخيمة، دون أن يلاحظها أي من المتنزهين النائمين. ويفترض الباحثان أن الخيمة انهارت على أصحابها في وقت ما بفعل ثقل الكتلة الثلجية وهو ما قد يكون أحدث بدوره صدعا ما لبث أن انتشر فوق سطح المنحدر.