النسخة المحلية من فضائح التجسس الأمريكية.. أخطاء الأمريكيين القاتلة في صنــعاء

- مصدر تسريب قائمة بأسماء حوالى 20 صحفياً قيل إنهم تحت المراقبة من قبل المخابرات، كشف نفسه تماماً، حيث أراد التستر والتخفي، بزج أسماء لا صلة لها بالصحافة والإعلام، بل هي أدوات معروفة بيد مشغليها الرفيعين في مكتب التجسُّس والتلصص وطباخة الأكاذيب وبثها(!!)

تزايدت بشكل مزعج وخطير، وقائع وانتهاكات يومية في اليمن تتعلق بالتجسس والتنصت على المكالمات الهاتفية والمراسلات الإليكترونية بحق صحفيين وناشطين وسياسيين. وتوجهت أصابع الاتهام مباشرة، ولأكثر من سبب ومبرر، إلى نجل الرئيس الانتقالي (جلال هادي) ومكتب خاص يديره. ومؤخراً تم تسريب قائمة بأسماء حوالى 20 صحفياً قيل إنهم تحت المراقبة من قبل المخابرات اليمنية. لكن التوقيت والمحتوى يشيان بأن الهدف هو إلهاء الأنظار وتتويه المراقبين عن الجهة الحقيقية وراء حوادث مشابهة ونشرتها وسائل إعلام يمنية ومواقع.

من سرَّب أو بث ودفع للإعلام تلك القائمة المفترضة، بأسماء صحفيين يمنيين تحت مراقبة المخابرات اليمنية، أراد أن يشتم ويلعن ويسب المخابرات اليمنية لا غير. وإن كنا لا نعرف على وجه التيقن ما هي ومن هي المخابرات اليمنية؟؟

نواب ومسئولون أمريكيون دانوا، قبل أسابيع قليلة، الحكومة اليمنية ومساعدين لرئيس الحكومة بإقامة علاقات وتواصل مع القاعدة والإرهابيين.
المخابرات اليمنية لم تراقب هؤلاء، ولا مئات العناصر القاعدية الجائلة بسياراتها وأسلحتها في مدن الساحل والصحراء جنوب وشرق اليمن، وتنفذ غاراتها على سيئون ومدن يمنية بتكرار.

ويُراد القول: إن الأجهزة والسلطات اليمنية، مُفرغة لمراقبة تلفونات صحفيين والتجسس على مكالمات إعلاميين وإيميلاتهم.

لكن من حيث الأصل، أين الجديد في هذا الكشف الهزلي؟ معروف بالضرورة أن جهات ومراكز عدة في اليمن تمارس التجسس والقرصنة الهاتفية والإليكترونية.

طبعاً، مصدر تسريب وبث مثل هذه القائمة، كشف نفسه تماماً، من حيث أراد التستر والتخفي، بزج أسماء بعينها لا صلة لها عن قريب بالصحافة والإعلام، بل هي أدوات معروفة بيد مشغليها الرفيعين في مكتب التجسس والتلصص وطباخة الأكاذيب وبثها. بل وأحدهم أرسل قريباً إلى عاصمة عربية لإتمام تعاقد وتصميم مواقع إليكترونية "ملونة" بعضها ظهر مؤخراً والبعض في الطريق إلى الالتحاق بقافلة مواقع "مكتب الصرف" الرفيع (!!)

فضائح التجسس والتنصت واللصوصية، يُراد بإلحاح دفعها وإلصاقها بمسميات وأجهزة من قبيل المخابرات اليمنية، حتى يُقال الأمر رسمي ويتحمل وزره أهلها.
لكن هذه كلها لن تعني شيئاً، ولن يسعها أن تبيِّض صفحة مكتب تجسس وتلصص (خاص) بأجهزة مراقبة مكالمات وهواتف، حديثة، وفرتها السلطات أو أطراف في السلطات الأمريكية لأطراف في السلطة اليمنية الحاكمة. ومنظمات أمريكية باتت على اطلاع، وما من شك فإن مساءلة ومحاسبة الإدارة الأمريكية عن هذه الجرائم والانتهاكات والمشاركة فيها، سوف تأخذ حقها يوماً ما..

الأمريكيون شركاء في انتهاكات فجَّة ومخالفات جسيمة ويشجعون ممارسات تسلطية وبوليسية تتنافى مع أبسط مسلمات الحرية والحقوق والنظام المدني ودولة القانون.

التجسس وأدواته، وصمة عار في جبين واشنطن وسفارتها لدى صنعاء ومكتب الاستخبارات الأمريكية في السفارة.

الأمريكيون وجهات عليا ونافذون رفيعون في منظومة الحكم في اليمن، هم في الغالب منزوعو الصفة الرسمية القانونية في ممارسة الحكم والسلطة والسطوة والعبث، شركاء في تكريس قانون الغلبة والقوة والبوليس السري، وإضعاف دور ومكانة المؤسسات والقوانين على حساب حقوق الإنسان والحريات العامة والحريات الخاصة ومكافحة الإرهاب والجريمة والفساد بأنواعه وأشكاله، علاوة على الفساد السياسي.

فضائح التجسس والتنصت الأمريكية العابرة للقارات مؤخراً، تجد لها مثالاً محلياً في اليمن، عبر تشجيع مشاغل ومجهودات بناء وصناعة - اللا دولة. في عهد الرئيس أوباما تحولت هذه الفضائح والسلوكيات إلى منهج عمل وأسلوب إدارة علاقات مع حلفاء محليين وأدوات محلية وقُطرية خلال موجة فوضى الربيع العربي وتداعياتها المستمرة.

اليمن تقع في الأثناء بين فكي حليفين بارزين لواشنطن وقفازين بيدي ضباط الـ"إف بي آي" والـ"سي أي إيه".

ليس سراً أن الأمريكيين وفيما يتعلق باليمن يبنون على مسارين أو مسار من خطين أحدهما الإخوان والآخر دوائر ونافذون في أعلى هرم السلطة الانتقالية. والأهم هو أن العلاقات والسياسات والتربيطات تتم بمعزل عن شيء كان يُقال له "الدولة" في اليمن.

يتولد عن هذا خلل جوهري على صلة بازدواجية الموقف الأمريكي والسياسة المتبعة حيال الملف والمسألة اليمنية.

فمن ناحية تشارك أمريكا مع دول تسع أخرى رعاية التسوية السياسية والعملية الانتقالية بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

ومن ناحية أخرى، تكرس واشنطن ورجالها سياسة خاصة جداً على هامش التسوية تتوجه نحو بناء مراكز قوى جديدة وتعزيز أخرى قديمة من زاوية الربيع وأدواته ومخرجاته.

هذا كان من نتائجه اختلالات وتراكمات اعتورت المسار السياسي لقاطرة التسوية والسلطة الانتقالية. وولد إشكالات هي اليوم تحتل الواجهة من الصدارة والاهتمام بينما يبدو المسار وكأن الأمريكيين يتحدثون عن تسوية ومبادرة وعملية سياسية أخرى تخصهم وحلفاءهم في صنعاء.

تبني الدوائر الأمريكية على مسلمات غبية وحمقاء وخطرة في آن؛ الرهان المستميت على تمكين وتعزيز حظوظ الإخوان وسلطاتهم في اليمن وبزيادة ملحوظة عقب التحولات العاصفة في مصر خصوصاً وليبيا وتونس وأيضاً سوريا، يعطي تصوراً مركزياً حول عزم أمريكي إلى تعويض الحلفاء في التنظيم الدولي للجماعة عن خسائرهم في عواصم الربيع المركزية ومنحهم فرصة متزايدة في صنعاء.

في المسار، أيضاً، وخلال ذلك ثمة مقاربات وتقاربات أبرمتها الوساطات والوصايا الأمريكية بين الجماعة وممثليها - فرع اليمن - وجيل جديد طائش بقدر ما ينطوي على طموح مرتجل راح يعشش ويتجذر حول رأس السلطة ورئاسة البلد الانتقالية. من الموضوعي تماماً في هذا الصدد الكف عن ممارسة التجاهل أو السخرية حيال مقولات تؤطر لتحالف قائم ويستقوي بين ممثلي جهتي الرئاسة والإخوان خصوصاً في المكون الشاب والرأسمالي والتجاري والذي بات يمسك بكثير من مفاصل سلطات وقرارات وامتيازات الصفقات والمناقصات وحركة البيزنس إجمالاً، علاوة على القرار السياسي والإداري.

التجسس, بالتالي وعوداً على بدء، هو مظهر واحد من مظاهر وتجليات السياسة الأمريكية في هذا البلد العربي المُختطَف عن التسوية ومنطوق بنود اتفاقية الإدارة الانتقالية (المبادرة الخليجية وآليتها) والخاضع لحسابات ومخططات وبرامج ناتجة بالأساس عن معطيات تحالف ناشب في جسد البلاد النازف وجسم الدولة المتحلل.

... وللموضوع صلة

*المصدر أسبوعية "المنتصف"