اقتحام الكابيتول.. محللون يتحدثون عن "اليوم الأسود" ومستقبل الديمقراطية الأميركية

في السادس من يناير 2021 صُدِم الملايين في الولايات المتحدة وحول العالم بمشاهد اقتحام مبنى الكابيتول وسط العاصمة واشنطن في حادثة حمّل فيها الرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، سلفه دونالد ترامب، مسؤوليتها، وهي خطوة من شأنها أن تزيد الانقسام في المجتمع الأميركي وفقا لمراقبين.

وكان أربعة أشخاص قد لقوا حتفهم في الفوضى التي استمرت لساعات قبل عام، وحدثت بعد أن حث ترامب أنصاره على الزحف إلى مبنى الكابيتول و"القتال مثل الجحيم" لمنع المصادقة على فوز بايدن في الرئاسة. وتوفي ضابط شرطة في اليوم التالي لاشتباكه مع مثيري الشغب كما انتحر أربعة آخرون في وقت لاحق. وأصيب نحو 140 ضابط شرطة في الأحداث. 

وفي خطاب اتّسم بنبرة هجومية غير مسبوقة، اتهم بايدن الرئيس السابق بمحاولة "منع الانتقال السلمي للسلطة" متعهدا بعدم السماح لأي كان بـ"طعن الديمقراطية" الأميركية.

ووجه بايدن في كلمة ألقاها من داخل مبنى الكابيتول انتقادا ممنهجا لترامب، دون لفظ اسمه مستخدما عبارة "الرئيس السابق" أو "الرئيس السابق الخاسر" الكفيلة بإثارة غضب الملياردير الجمهوري.

بالمقابل سارع ترامب للردّ على بايدن، فاعتبر في بيان أن خطاب خلفه الذي تراجعت شعبيته إلى مستوى منخفض جدا، ليس إلا "مسرحية سياسية" لصرف الأنظار عن "فشله".

وقبل ذلك قال وزير العدل الأميركي، ميريك غارلاند، الأربعاء، إن الإدارة الأميركية ستلاحق جميع المشاركين في الهجوم على الكونغرس "بغض النظر عن وضعهم سواء كانوا حاضرين في ذلك اليوم أو إن كانوا مسؤولين جنائيا عن الهجوم على ديمقراطيتنا".

ويرى الأستاذ في معهد الشرق الأوسط للأبحاث، حسن منيمنة، أن تصريحات وزير العدل المتعلقة بمحاسبة من تسبب بأحداث الكابيتول مهما كانت مواقعهم "فيه إشارة ضمنية للرئيس السابق ترامب".

ويضيف منيمنة لموقع "الحرة" أن "ما يجري في الكونغرس من خلال اللجنة المكلفة بالتحقيق في الأحداث كذلك تلمح إلى وجود مسؤولية دستورية للرئيس السابق، لأنه تخلف عن تعهداته في القسم الدستوري".

ومع ذلك يرى منيمنة أن "محاسبة ترامب في حال كانت هناك تهمة ضده ليست من صلاحية الرئيس (بايدن)، بل من صلاحيات وزارة العدل التي ستطرح المسألة أمام المحاكم، والسلطة القضائية هي من تفصل في ذلك".

واتهم زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الخميس، الديمقراطيين بـ"استغلال" سياسي لذكرى الهجوم على مقر الكونغرس.

وقال ماكونيل في بيان: "من اللافت رؤية بعض الديمقراطيين في واشنطن يحاولون استغلال هذه الذكرى للترويج لأهداف سياسية حزبية كانت موجودة قبل هذا الحدث"، واصفا السادس من يناير 2021 على أنه "يوم قاتم للكونغرس ولبلادنا". 

ولا يعتقد الخبير الأمني الجمهوري في مركز سياسات الأمن، مايكل وولر، أن ترامب كان مسؤولا عما جرى في السادس من يناير العام الماضي، ويرى أن خصوم ترامب "استغلوا" الحادث لمهاجمته.

يقول وولر لموقع "الحرة" "لم يكن ترامب مسؤولا عن اقتحام مبنى الكابيتول، لأن الهجوم الفعلي، كما لاحظت في ذلك الوقت نفذ من قبل مسلحين يرتدون معدات تكتيكية وخطط له قبل 6 يناير بوقت طويل".

ويضيف أن "ترامب كان في البيت الأبيض، على بعد نحو كيلومترين، وكان لا يزال يتحدث عندما بدأ الهجوم".

ويرى وولر أن "خصوم ترامب السياسيين اتهموه بالتحريض على الهجوم، لكن هذا ببساطة ليس صحيحا وقد أثبتت الأدلة اللاحقة ذلك".

بالمقابل، يقول رئيس قسم الأمن القومي في صحيفة "واشنطن تايمز"، غاي تيلور إن "محاسبة ترامب من عدمها أمر متروك للشعب الأميركي".

ويضيف تيلور لموقع "الحرة" أن "السلطة التشريعية في الولايات المتحدة تضم ممثلين عن الشعب، وإذا كان الناس يريدون محاسبة ترامب، فإن الهيئة التشريعية ستضع هذه المساءلة في مقدمة أعمالها".

"أيام سوداء" و"تأثير مرعب"

الرئيس الأميركي وصف ما حدث قبل عام بـ "اليوم الأسود"، لكنه نوه إلى أن "أيامنا السوداء ستوصلنا إلى الضوء والأمل"، مؤكدا أن دور الرئيس الأميركي يكمن في تعزيز وحدة الشعب وليس في زرع الانقسامات.

ورغم مرور عام على الحادثة التي هزت صورة الولايات المتحدة حول العالم لا يزال المشرعون الأميركيون يحاولون تجاوز الانقسامات العميقة التي خلفها اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول هيل.

ولم تقتصر هذه الانقسامات على الساسة، بل تعمقت أيضا داخل الأوساط المجتمعية الأميركية مما قد يشكل خطرا على مستقبل البلاد.

يقول تيلور إن "الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث تذكرنا بأن الحفاظ على الديمقراطية ليس أمرا سهلا على الإطلاق".

ويضيف أن "الديمقراطية جميلة، لكنها في الوقت ذاته صعبة وفي بعض الأحيان فوضوية"، لافتا إلى أن "نظام الحكم في الولايات المتحدة تعددي، وبمعنى آخر يمكن للناس وينبغي عليهم أن يكونوا قادرين على الاختلاف والتعبير عن خلافاتهم".

ويتابع "لكن هناك أيضا أماكن مقدسة وهذه الذكرى السنوية تجعلنا نفكر في قدسية مبنى الكابيتول كرمز للديمقراطية في البلاد وأهمية أن تكون الاحتجاجات في المستقبل مسالمة وبعيدة عن العنف".

يتفق وولر مع هذا الطرح ويضيف عليه بالقول إن اقتحام مبنى الكابيتول كان له تأثير "مرعب" على الديمقراطية الأميركية.

ويبين وولر أن تلك الأحداث "ألحقت أضرارا بالغة بثقة الناس بالمؤسسات الأميركية ونزاهة نظام عد الأصوات، وأيضا تسببت بتسييس واضح لعملية تطبيق القانون الفيدرالي والنظام القضائي".

بالمقابل، يصف منيمنة الوضع الحالي في الولايات المتحدة بأنه حالة من "الانفصام" السياسي والثقافي في آن واحد.

ويقول منينمة "من الطبيعي أن يكون هناك انقسام أو اختلاف سياسي، لكن أن يرافقه انفصام ثقافي سياسي ويتهم طرف الآخر بأنه غير مشروع، فهذا أمر خطير".

ويضيف أن "الانفصام الثقافي خطر على الحالة السياسية وخطر على مستقبل البلاد".