غزو أوكرانيا وأزمة تايوان.. توقعات لـ"حدود التصعيد" واستبعاد لـ"حرب عالمية"

توقف أحد المفاعلات النووية في مدينة زابوريجيا الأوكرانية الخاضعة لسيطرة القوات الروسية، السبت بعد قصف تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عن شنه، وهو أحدث خطر في سلسلة طويلة من التقارير المثيرة للقلق، جراء تحول الصراع بين الطرفين إلى مواجهة إقليمية أو دولية.

وترافقت الأنباء الواردة من زابوريجيا، والتي أثارت قلقا دوليا وأمميا، مع تصاعد الأحداث في تايوان، التي تختتم الصين، الأحد، أوسع مناورات عسكرية تنفّذها، في محيطها، وذلك ردّا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى الجزيرة، ما هوى بالعلاقات الأميركية الصينية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

تصعيد روسي في أوكرانيا

في أحدث حلقة من مسلسل التصعيد في أوكرانيا، تبادلت كييف وروسيا الاتهامات بشن "ثلاث ضربات" قرب مفاعل في محطة زابوريجيا التي تحتلها روسيا منذ مطلع مارس، وتعد المحطة النووية الأكبر في أوروبا.

وتسببت "مبارزات مدفعية بين روسيا وأوكرانيا"، بالقرب من محطة طاقة نووية عملاقة على نهر دنيبرو في جنوب أوكرانيا في مخاطر جديدة تتعلق بالسلامة، في ظل تحذير من "كارثة نووية"، وفقا لتقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".

ولذلك يحذر مدير المركز الأوروبي للدراسات والاستخبارات في برلين، جاسم محمد، من "تداعيات استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي".

تحذير من تداعيات "استمرار التصعيد الروسي في أوكرانيا"

وفي حديثه لموقع "الحرة"، تحدث عن "تأثير طول أمد الحرب على دول أوروبا سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإنسانيا"، مشيرا إلى أن "القارة العجوز هي المتضرر الأكبر من حرب الاستنزاف"، على حد تعبيره.

ويوضح جاسم محمد أن "استمرار التصعيد في أوكرانيا يعني المزيد من الاستنزاف للقدرات الأوروبية ما قد يتسبب في انقسامات داخل كتلة الاتحاد الأوروبي".

لكن على جانب آخر، يستبعد أستاذ العلاقات الدولية المقيم بالسويد، كاظم هاشم نعمة، "سيناريو التصعيد الروسي المطلق في أوكرانيا"، واصفا الأزمة الأوكرانية بـ"مقيدة ذاتيا لأغراض محددة".

ولروسيا أهداف محدودة وقابلة للتفاوض في أوكرانيا، لكنها تعذرت عن بلوغها حتى الآن، ولذلك "لم تنضج الأزمة الأوكرانية بعد"، وفقا لحديث نعمة لموقع "الحرة".

وسوف تستمر روسيا في التصعيد العسكري حتى تبلغ أهدافها بـ"السيطرة على شرق وجنوب أوكرانيا"، وسوف تسعى بعد ذلك للجلوس على طاولة المفاوضات مع الأوكرانيين، وفقا رأي نعمة.

الصين تهدد تايوان عسكرياأطلق الجيش الصيني تدريبات عسكرية حول تايوان

وعلى حدود تايوان، تنهي الصين، الأحد، أوسع مناورات عسكرية تنفذها في محيط الجزيرة، وذلك ردا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايبيه.

وكان الجيش الصيني قد نفذ أوسع مناورات عسكرية في تاريخه، حاشدا لها طائرات وسفنا حربية وصواريخ باليستية في سياق ما اعتبره محللون محاكاة لحصار تايوان واجتياحها، بحسب فرانس برس.

وكشفت القيادة الشرقية للجيش الصيني التي تشرف على هذه العمليات أنها أجرت الأحد "تدريبات مشتركة في البحر وفي المجال الجوي في محيط تايوان، وفق ما كان مقرّرا"، مؤكدة أن الغرض من هذه المناورات هو "اختبار القوة النارية في الميدان والضربات الجوية طويلة المدى".

ومن المفترض أن تنتهي هذه التمارين عند ظهر الأحد،  ولكن التلفزيون الرسمي الصيني أفاد نقلا عن أحد المعلقين بأن الجيش الصيني سيجري من الآن فصاعدا تدريبات "منتظمة" على الجانب الشرقي من الخط الفاصل في مضيق تايوان، بحسب رويترز.

وفي الأيام الأخيرة، نددت تايبيه بلا توقف بهذه المناورات، ودانت "جارة تضمر لها الشر"، ودعت بكين، السبت، إلى "الوقف فورا عن التصعيد والقيام بأعمال استفزازية هدفها تخويف الشعب التايواني".

ويرى خبراء أن هذه التمارين "تشكل إنذارا مفاده أن الجيش الصيني بات على ما يبدو قادرا على محاصرة الجزيرة بالكامل مع قطع السبيل أمام وصول مساعدة أميركية"، وفقا لـ"فرانس برس".

وقال الضابط السابق في البحرية الأميركية والباحث في "المنتدى الياباني للدراسات الاستراتيجية"، غرانت نيوزهام، إن "في حال اقتصر النزاع المقبل على المنطقة المحيطة مباشرة بتايوان، فإن البحرية الصينية ستكون عدوا من العيار الثقيل".

وأضاف: "إذا لم يتدخل الأميركيون واليابانيون، فإن الوضع سيكون جد صعب لتايوان"، وفقا لـ"فرانس برس".

ويصف جاسم محمد، ذلك التصعيد الصيني بـ"المتوقع"، مؤكدا أنه جاء للتأكيد على "وحدة الصين"، بعد زيارة بيلوسي لتابييه.

ووفقا لرأي نعمة، فإن الصين تعتبر زيارة بيلوسي لتايوان "بالون اختبار لمدى تمسكها بمبدأ وحدة الصين"، ولذلك جاء "عرض القوة الصيني" للتأكيد على موقف بكين الثابت.

أوكرانيا جديدة؟هل تتحرك الصين ضد تايوان عسكريا على غرار ما فعلته "روسيا بأوكرانيا"؟

فهل تتحرك الصين ضد تايوان عسكريا؟.. وهل نشهد غزوا جديدا على غرار ما فعلته "روسيا في أوكرانيا"؟

يشير الخبير العسكري والاستراتيجي، المقيم في واشنطن، إسماعيل السوداني، إلى "توقعات سابقة بغزو الصين لتايوان في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا"، لكن بيكين لم تفعل ذلك.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، قارن الخبير العسكري بين الوضع الروسي والصيني، قائلا:" موسكو أكثر قدرة عسكريا واقتصاديا من بكين في مقاومة العقوبات والحظر الدولي"، مشيرا إلى أن "الصين مستهلكة كبيرة للطاقة على عكس روسيا المنتجة للنفط والغاز".

وتحدث عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في الداخل الصيني، وصعوبة "الهجوم عسكريا على تايوان التي تمتلك أسلحة حديثة وقدرات عسكرية وبشرية ما قد يؤدي لطول أمد الحرب".

ولذلك يستبعد السوداني تكرار سيناريو "أوكرانيا في تايوان"، مؤكدا أن بيكين "سوف تفكر كثيرا" قبل إقدامها على غزو تايبيه.

ويتفق معه نعمة الذي يؤكد أن "الصين لا تهدف إلى التصعيد الشامل أو المواجهة العسكرية مع تايوان أو الولايات المتحدة".

لكن على جانب آخر يرصد الباحث في العلاقات الدولية، ناصر مأمون عيسى، حالة اصطفاف بين "روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران"، في أعقاب زيارة بيلوسي لتايوان.

واستشهد في حديثه لموقع "الحرة"، بالتصريحات الروسية والكورية الشمالية والإيرانية التي جاءت "منددة بالزيارة"، معتبرا أن ذلك "يشير إلى تكتل تلك الدول في مواجهة المعسكر الغربي".

حرب عالمية ثالثة؟جنود من الجيش الصيني في موكب يوم النصر/ موسكو/ روسيا/ 24 يونيو 2020

وتحدث نائب رئيس اللجنة الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، فلاديمير دجباروف، عن دعم بلاده للصين في حال خوضها "حربا في تايوان"، وفقا لوكالة الأنباء الروسية "تاس".

وفي سياق متصل، يحذر الكاتب البريطاني الشهير، سايمون جنكينز، من اتجاه العالم نحو "كارثة في تايوان كما حدث في أوكرانيا"، وفقا لمقال رأي في صحيفة "الغارديان".

وتشهد كل من روسيا والصين نزاعات حدودية مع جيرانهم، وتستحق أوكرانيا وتايوان الدعم الدبلوماسي، لكن لا يمكن السماح لهما بالانحدار نحو حرب عالمية أو كارثة نووية، وفقا للمقال.

ويشبه الكاتب البريطاني الحرب العالمية بـ"الاحتباس الحراري الذي يهدد العالم بكارثة يتعين مواجهتها"، مطالبا تجنب ذلك "الخطر".

ويتحدث عيسى عن تشابه بين مقدمات الحرب العالمية الثانية والوضع الحالي، من حيث "الحركات التوسعية وسباق التسلح والتدهور الاقتصادي"، لذلك يرجح سيناريو اشتعال "حرب عالمية ثالثة"، لكنه يؤكد أنها "لن تكون ذات صيغة عسكرية".

وتحدث عيسى عن طرق أخرى للحرب ذات أبعاد "اقتصادية وسيبرانية"، متوقعا أن تكون الكلمة الأولى في الحرب القادمة لـ"المال وليس البندقية"، على حد تعبيره.

ويتوقع اتساع نطاق المواجهة بين المعسكر الغربي والشرقي، لتشمل "مزاحمة في مناطق نفوذ المعسكرين في الخليج العربي والقرن الأفريقي ووسط آسيا وحدود الاتحاد السوفيتي القديمة".

لكن على جانب آخر، يستبعد جاسم محمد "سيناريو الحرب العالمية الثالثة"، مضيفا "رغم جميع التوترات في أوكرانيا وتايوان لكن جميع الأطراف تدرك مخاطر اندلاع حرب عالمية ولا تريد الانزلاق إليها".

وفي مقابل ذلك توقع جاسم محمد، اللجوء إلى "سياسة الردع والردع المضاد"، في أوكرانيا وتايوان، عبر تصعيد سقف التهديد والمطالب، في سبيل تجنب "الحرب الموسعة".

وكذلك يستبعد نعمة تسبب أزمتي أوكرانيا وتايوان في وقوع "حرب عالمية ثالثة"، في ظل "قدرات الردع النووي" لجميع الأطراف.