تحديد سقف أسعار النفط الروسي.. "مقامرة" أميركية تثير مخاوف عالمية
احتفى المسؤولون الأميركيون في مطلع سبتمبر بموافقة الدول السبع الصناعية الكبرى على دعم خطة جريئة وحديثة تضيق الخناق على الأموال التي تصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في شكل من أشكال الحرب المضادة للغزو الروسي لأوكرانيا.
ووفقا لمجلة Fortune، بدت الفكرة "بسيطة للغاية" تتمثل في أن تدفع الدول أسعاراً مخفضة مقابل النفط الروسي، ما يضمن حرمان الرئيس الروسي من الحصول على الأموال اللازمة لمواصلة حربه على أوكرانيا، والمحافظة في الوقت نفسه، على استمرار تدفق النفط الروسي، إلى جانب الإبقاء على الأسعار العالمية منخفضة.
وبعد انقضاء شهر كامل، لا تزال مجموعة السبع التي تمثل الاقتصادات الرائدة في العالم، "تتحسس طريقها للتنفيذ"، و"تبدو المهمة الآن أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في الوهلة الأولى، كما يبدو الموعد النهائي المحدد في 5 ديسمبر لحشد المشاركين وكأنه يدنو أسرع مما كان عليه لدى تحديده"، وفق المجلة.
وبينما فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون آلاف العقوبات المالية والدبلوماسية على روسيا، بما في ذلك العقوبات التي تم الإعلان عنها مؤخرا، قال مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية إن وضع حد أقصى لأسعار النفط الروسي "سيوجه الضربة الأكثر تأثيراً على الاقتصاد الروسي"، وسيقوض أكبر مصدر لعائداته.
سقف الأسعار
واعتبرت المجلة أنه في غمرة حماسة وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، فإن خطة وضع سقف لأسعار النفط الروسي "تختبر حدود فن الإدارة وقدرات النظام الرأسمالي".
وذاع صيت يلين كرئيسة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتي كان لها الفضل الأكبر في توجيه الولايات المتحدة إلى أكبر نمو في تاريخها. والآن، تحاول وزيرة الخزانة الأميركية استخدام أسواق الطاقة كوسيلة لوقف آلة الحرب الروسية، والحيلولة دون ارتفاع أسعار النفط في الشتاء.
وبدأت يلين وفريقها في وزارة الخزانة الأميركية في الضغط على نظرائهم الدوليين لوضع سقف لأسعار النفط الروسي منذ مايو، على أقل تقدير، إذ حظرت الولايات المتحدة واردات النفط الروسي، التي كانت قليلة.
وفي هذا السياق وصفت إليزابيث روزنبيرج، رئيسة وحدة مكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية في وزارة الخزانة "استخدام تدابير مالية ضد هذا التنمر العالمي"، في جلسة استماع عقدت مؤخراً في الكونجرس، بأنه "أمر جديد تماماً".
وأضافت :"أن التحالف لوضع حد أقصى لأسعار النفط الروسي يتطلب تنسيقاً غير مسبوق مع الشركاء الدوليين، وشراكة وثيقة مع الصناعات البحرية العالمية، وتصميماً استثنائياً في وجه التهديات الروسية العالمية، بما في ذلك خطر سعي روسيا للرد"، حسبما أوردت Fortune، والتي تساءلت: "ماذا لو توقفت روسيا عن تصدير نفطها؟".
ارتفاع أسعار الطاقة
وفقا للمجلة يفرض هذا الشكل الجديد من الحرب الاقتصادية "خطراً داهما على إمدادات النفط العالمية"، مضيفة أنه "في حال فشله، أو في حال ردت روسيا بوقف تصدير نفطها، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع صارخ في أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم. وقد يشعر المستهلكون الأميركيون بتداعيات ذلك بارتفاع آخر في أسعار البنزين".
وأوردت المجلة عن بن هاريس، مساعد وزيرة الخزانة الأميركية للسياسة الاقتصادية، قوله، خلال عرض تقديمي في معهد "بروكينجز": "ليس لدي عصا سحرية، ولا أعرف على وجه التحديد ماذا ستفعل روسيا بهذا الشأن، فهناك العديد من الخيارات المختلفة".
وأضاف: "وضع سقف للأسعار يوفر فرصة لوجود صمام تنفيس، ويمنح الأمل في أن تجد براميل النفط الروسية السوق ولكن بسعر مخفض".
ويأتي الموعد النهائي لتحديد سعر النفط المخفض في 5 ديسمبر، أي قبيل نهاية عام كامل من حظر أوروبي أشمل على النفط الخام الروسي المنقول بحراً، وحظر كامل على تأمين الشحن، الذي يهدف إلى منع النفط الروسي من الوصول إلى مشترين غير أوربيين.
وبحسب المجلة "يمكن أن يقضي كلا الحظرين على ما يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً من الإمدادات اليومية العالمية من البترول، ما يمثل خسارة تصل إلى 4%".
وتطمح وزارة الخزانة إلى أن يبدأ سقف أسعار النفط الروسي أولاً، وأن يسمح باستمرار تدفق جزء من هذا النفط عبر استثناءات للحظر الأوروبي على النفط الخام الروسي وحظر التأمين، ولكن بأسعار أقل من أسعار السوق.
وبينما يعرب مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية وكبار الاقتصاديين عن ثقتهم في نجاح الخطة، التي تلوح في الأفق ملامح نجاحها بالفعل، يتخوف بعض محللي النفط من محاولة تنفيذ هذه الخطة قبل الشتاء، في ظل اقتصاد عالمي تهيمن عليه حالة من الفزع بسبب صدمات الإمدادات، ومعدلات تضخم ترتفع بوتيرة متسارعة في جميع أنحاء أوربا، واصفين ذلك بأنه يفرض "مجهولاً لا حدود له".
وفي هذا السياق قالت هيليما كروفت، الرئيسة العالمية لاستراتيجية السلع الأساسية في بنك "أر بي سي كابيتال ماركتس": "بالنسبة لي، يتمثل عامل المقامرة فيما يفعله الروس لأنهم أوضحوا بجلاء أنهم لا يريدون اللعب مع سياسة وضع سقف للأسعار"، محذرة من أنه "يجب أن نعد أنفسنا على الأقل لمنعهم النفط".
ووصف إد مورس، رئيس وحدة أبحاث السلع في مجموعة Citi Group، في معهد "بروكينجز" مؤخراً هذه التجربة بأنها "لم يسبق خوضها في تاريخ العالم". كما وصف "الدعوة لخوض هذه التجربة في ذلك التوقيت" بأنها "تفتقر إلى الحكمة". "فالنفط هو الركيزة الأساسية للعائدات المالية للكرملين، وهو ما أبقى الاقتصاد الروسي صامدا حتى الآن في الحرب برغم تدابير حظر الصادرات، والعقوبات، وتجميد أصول البنك المركزي الروسي، التي بدأت في أواخر فبراير مع الغزو الروسي لأوكرانيا، وفقا لـ Fortune.
الصادرات الروسية
وقبل الحرب، بلغت صادرات روسيا ما يقرب من 5 ملايين برميل نفط يومياً لتتبوأ بذلك عرش أحد أكبر مصدري النفط في العالم. وبرغم العقوبات، لم يطرأ على هذا الرقم، الذي يمثل ما يقرب من 9% من صادرات النفط الخام في العالم، أي تغيير يُذكر.
وتعهدت روسيا باتخاذ تدابير انتقامية لتعويض تأثير وضع سقف لأسعار نفطها. والأسبوع الماضي، أفادت صحيفة "كوميرسانت" الاقتصادية الروسية بأن الكرملين يبحث "جمع 50 مليار دولار في شكل عائدات إضافية" رداً على الخطة الغربية.
ويأمل المحللون في أن تكون هذه مجرد خدعة روسية. في هذا الإطار حدد بنك "دويتشة" مؤخراً مستوى "احتمالية منخفضة" لوقف روسيا لصادراتها، وخفض توقعاته لسعر النفط الخام بنسبة 10%.
كما نقل البنك الألماني ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية بأن الهند قد تبدي مرونة للشراء من المصدرين من خارج الاتحاد الأوربي في حال عدم انضماها لتحالف وضع سقف لأسعار النفط الروسي، من بين عوامل أخرى.
ويُفترض أن الصين والهند لن تكونا جزءاً من تحالف رسمي لوضع سقف للأسعار، إلا أن "الأسعار المخفضة التي تحصل عليها روسيا من هاتين الدولتين سيساعد التحالف على إنجاز هدفه"، وضخ مزيد من النفط في السوق بعائدات أقل للكرملين"، وفقا لما قاله مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية.
وعلى الجانب الآخر، تبرم روسيا فعلياً عقوداً طويلة الأمد للحد من خسائر واردات النفط المحتملة.
في هذا الإطار نقلت Fortune عن راؤول ليبلانك، نائب رئيس وحدة الطاقة في شركة S&P Global Commodity Insights، قوله إنه "بطريقة ما تُظهر الخصومات التي تقدمها روسيا بالفعل للدول أن خطة فرض حد أقصى على أسعار النفط الروسي قد تنجح".
ولكن ليبلانك وصف "الخسارة الكاملة للنفط الروسي في السوق العالمية" بأنها ستكون "كارثية على الاقتصاد العالمي"، و"ستؤثر بقوة على أميركا اللاتينية ومعظم جنوب آسيا".
معاناة أوروبية
وفي هذا السياق الزمني تعاني العديد من الدول الأوروبية بالفعل مخاض التداعيات الكبرى للحرب على اقتصاداتها دون تفعيل وضع سقف للأسعار. ففي الأسبوع الماضي أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الاقتصاد العالمي "سيخسر 2.8 تريليون دولار من نواتجه في 2023 بسبب الحرب".
وفيما يتعلق بمسائل الطاقة الأخرى، فرض وزراء الطاقة في الاتحاد الأوربي، الجمعة، ضريبة على الأرباح غير المتوقعة لشركات الوقود الأحفوري، ولكنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق لوضع حد لأسعار الغاز الطبيعي.
وأضاف تقرير Fortune أن وزارة الخزنة الأميركية تبحث الإجابة على "العديد من التساؤلات الشائكة" فيما تعمل على تنفيذ خطة وضع حد أقصى لأسعار النفط الروسي.
وقالت المجلة إنه "من بين هذه الأسئلة ما يتعلق بمعرفة حجم التخفيض الذي ستفرضه دول مجموعة السبع ودول أخرى على النفط الروسي، والآلية التي سيتفاعل بها سقف الأسعار مع الحظر القادم وحظر التأمين، والطريقة التي ستدير بها الشركات أعمالها فيما تحاول تجنب العقوبات، وكيفية إحباط أي محاولات من قبل بوتين للالتفاف على أي سقف للأسعار يتم الاتفاق عليه".
ووصف بن كاهيل، كبير الزملاء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وضع حد أقصى لأسعار النفط الروسي بأنه "أفضل من الوضع الراهن"، وهو الحظر الأوربي المتوقع على النفط الخام الروسي والحظر على التأمين البحري.
واستدرك: "ولكن ذلك سيخلق تعقيدات في السوق قد تؤدي إلى رفع تكلفة إنجاز الأعمال التجارية"، مضيفاً أنها "مقامرة كبيرة".