تحذيرات وأرقام.. كيف يهدد "العنف" الانتخابات النصفية الأميركية؟
لا يستبعد أستاذ الإدارة والسياسة في جامعة بوسطن، ديفيد روزنبلوم، وقوع هجوم مماثل لذلك الذي تعرض له منزل رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، وسط تحذيرات فيدرالية مع اقتراب الانتخابات النصفية في البلاد.
وكانت عضوة في لجنة مشكلة من كلا الحزبين قد حذرت من "زيادة قبول العنف" لدى الإدلاء بشهادتها أمام الكونغرس حول أحداث اقتحام مبنى الكابيتول، في السادس من يناير 2021، خلال التصديق على انتخابات الرئاسة التي أجريت في نوفمبر 2020.
وتسببت حادثة قيام ديفيد ديباب (42 عاما) باقتحام منزل المسؤولة الثالثة في الحكومة الأميركية واحتجاز زوجها، بول بيلوسي، والاعتداء عليه في إحداث صدمة كبيرة في المجتمع الأميركي وبين عدد كبير من الساسة في واشنطن.
وفي يوم الجمعة الماضية، اليوم ذاته الذي وقع فيه الهجوم، حذرت وكالات الأمن الأميركية من هجمات محتملة على المرشحين السياسيين ومسؤولي الانتخابات في الفترة المقبلة.
وحصلت الإذاعة الأميركية العامة (أن بي آر) على نشرة صادرة عن وزارة الأمن الداخلي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وشرطة الكابيتول، تحذر من هجمات تدفعها أسباب "أيدولوجية" خلال الفترة القادمة.
وحذرت بشكل خاص من جهات "منفردة" قالت إنها تشكل التهديد الأكثر مع زيادة التطرف المحلي، وقالت إنهم في الغالب مدفوعون بفكرة "تزوير" الانتخابات، التي فاز بها جو بايدن على منافسه دونالد ترامب.
وتحدثت النشرة عن نظريات جديدة حول تزوير الانتخابات تقوض انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثامن من نوفمبر المقبل، وقالت الوكالات إنها حددت متطرفين عنيفين، الشهر الماضي، يعتقدون أن النظام الانتخابي "يتعرض لهجوم".
وجاء في النشرة التحذيرية الجديدة: "من المرجح أن ينظر بعض المتطرفين العنيفين المحليين، بدافع من المظالم المتعلقة بالانتخابات، إلى البنية التحتية المتعلقة بالانتخابات والموظفين والناخبين المشاركين في العملية الانتخابية على أنهم أهداف جذابة".
ويشمل ذلك "أماكن الاقتراع ومواقع تسجيل الناخبين وفعاليات الحملات ومكاتب الأحزاب السياسية".
وحذرت النشرة من أن هؤلاء قد يستهدفون مواقع مرتبطة بالانتخابات على أمل "التأثير على التصويت أو تقويض التصورات عن شرعية عملية التصويت أو إثارة رد فعل حكومي".
وكان مسؤولون منتخبون قد تعرضوا لتهديدات، قبل أسابيع، وحذروا من هجمات جديدة قد يتعرض لها مسؤولون آخرون.
وقالت السيناتورة سوزان كولينز، التي حُطمت نافذة في منزلها في ولاية مين، في أوائل أكتوبر: "لن أفاجأ إذا قتل سيناتور أو نائب".
وتعرض آدم كينزينغر، عضو مجلس النواب المناهض لترامب لتهديدات، ونشر مقتطفات صوتية من تلك التهديدات.
وتشير دراسات قامت بها مؤسسات أميركية إلى تصاعد العنف في الأعوام السابقة.
ووفق صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فقد تنوعت حوادث العنف في السنوات الماضية، بين القتل، كما حدث في عميلة اقتحام الكابيتول، والتهديد به عبر رسائل الهاتف والبريد الإلكتروني.
ووثقت شرطة الكابيتول 9625 تهديدا ضد أعضاء الكونغرس وعائلاتهم، في العام الماضي، وهو ضعف ما كان عليه في عام 2017 (3939). وحتى 23 مارس من هذا العام، قالت شرطة الكابيتول إنها فتحت حوالي 1820 قضية تتعلق بتهديدات.
وقالت دراسة صدرت في مايو من العام الجاري عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إن الحكومة والجيش وجهات إنفاذ القانون على وجه الخصوص كانت الأهداف الرئيسية للهجمات المحلية، في عام 2021، وقد شكلت هذه الهجمات 43 في المئة من جميع الهجمات.
وتتبع مشروع مشترك بين رابطة مكافحة التشهير (ADL) وجامعة برينستون حوالي 400 حادثة مضايقة وتهديد ضد مسؤولي الانتخابات والصحة والتعليم في 43 ولاية، في الفترة من يناير 2020 وحتى منتصف سبتمبر من هذا العام.
وامتدت التهديدات أو المضايقات التي تعرض لها مسؤولو الانتخابات أو موظفو الاقتراع إلى 21 ولاية، وشكلت حوالي 34 في المئة من جميع الحوادث.
واستهدفت النساء المسؤولات بوتيرة أعلى، وذلك بنسبة 42.5 في المئة من جميع الحوادث.
ووفق دراسة "CSIS" فقد كانت هناك زيادة في في عدد الهجمات والمؤامرات التي قام بها الأناركيون والمناهضون للفاشية في عام 2021، والتي ارتفعت من 23 في المئة في عام 2020 إلى 40 في المئة في عام 2021.
ورغم ارتفاع الهجمات سواء من اليمين المتطرف واليسار المتطرف، في عام 2021، كانت حوادث اليمين المتطرف الأكثر احتمالية لتكون مميتة، وفقا للدراسة.
وحذر مسؤولو إنفاذ القانون، في النشرة التي أشارت إليها الإذاعة الأميركية العامة، من أن خطر العنف يتجاوز السياسيين فقط، فالأقليات الدينية أيضا هدف محتمل.
ويؤكد روزنبلوم في تصريحاته لموقع الحرة أن نشاط مجموعات الكراهية آخذ في الازدياد ضد المسؤوليين السياسيين، وكذلك المجموعات الدينية، خاصة المسلمين واليهود، من قبل جماعات العنف التي تؤمن بأن هذا البلد "مسيحي".
وأضاف "أعتقد أننا نرى قدرا هائلا من العنف الموجه ضد الدين لم نشهده منذ فترة. والمسلمون واليهود هم أهداف خاصة لهذا العنف".
وحذرت رايتشل كلاينفيلد، زميل برنامج الديمقراطية والنزاع والحوكمة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي تحدثت أمام الكونغرس الأميركي من "تزايد القبول بالعنف السياسي بشكل حاد خلال السنوات الخمس الماضية".
وقالت كلاينفيلد، وهي عضو فرقة العمل الوطنية المكونة غير الحزبية المعنية بالأزمات الانتخابية في الولايات المتحدة: "أصبحت المعتقدات والأنشطة العنيفة أمرا شائعا"، منوهة إلى أنه ينبغي توقع تصاعد أعمال العنف بدوافع سياسية خلال مواسم الانتخابات المقبلة.
وقال روزنبلوم في تصريحاته لموقع الحرة إن "العنف أصبح طبيعيا نوعا ما لدى البعض، لأن السياسيين، خاصة من اليمين، يمارسون العنف عندما لا يدينونه، وهم أنفسهم أحيانا يتحدون شرعية الانتخابات".
ويشير إلى أن البعض "استخدموا لغة عنيفة في بعض خطاباتهم وبثوا إعلانات لا تدين العنف".
ويوضح أن استخدام لغة عنيفة في المجتمع لم يحدث منذ مئات السنين في الولايات المتحدة، لكن "الآن أصبح مقبولا لدى بعض السياسيين، ثم يلتقط بعض الناس الذين يميلون للعنف هذه الإشارة".
ويعتقد أن العنف الذي حدث في السادس من يناير 2021 لم يتوقف".
ويقول: "لدينا عدد كبير من البنادق، ولدينا سياسيون يقولون إنه يجب أن تكون مسلحا ومتأهبا. هذا هو العنف الذي يشجع عليه البعض".
ويشير إلى أن الأمر يتجاوز الاختلاف في الرأي، فبعض السياسيين "يشيطنون" السياسيين الآخرين، وهذا هو "أكثر المستويات تطرفا".
وأشارت فرانس برس في تقرير سابق إلى أنه خضم الحملة الانتخابية للانتخابات النصفية، يمكن ملاحظة العنف بشكل خاص في الإعلانات الانتخابية لبعض المرشحين.
ووفقا لتحليل أجراه مركز صندوق العمل التقدمي الأميركي، فإن 104 إعلانات على الأقل تم بثها هذا العام تظهر مرشحا محافظا بمسدس أو بندقية هجومية.
وفي بعض هذه الإعلانات، يستمتع المرشحون بتوجيه السلاح باتجاه صور أو دمى تمثل خصومهم.
وحذرت كلاينفيلد أمام الكونغرس من أن "غالبية الأفراد الذين يرتكبون أعمال عنف سياسي عفوي أو منظم لا ينتمون رسميا إلى أي جماعة متطرفة".
ويشير موقع بوليتيكو إلى أن هناك "إرهابيين سياسيين" لا يحتاجون إلى منظمات رسمية لتجنيدهم وتلقينهم أفكارا، لأنهم يحصلون على هذه الأفكار بسهولة من الإنترنت وهناك شخصيات سياسية بارزة تؤيد تلك الأفكار.
وذكر تقرير لمركز دراسات الجنوب أن "المعتقدات الرجعية والعنصرية" التي دفعت البعض إلى اقتحام مبنى الكابيتول "لم تتبدد"، ويشير إلى أن الجماعات المتطرفة وجدت طرقا لإقحام نفسها في السياسة السائدة.
ويشير المركز إلى انخفاض عدد جماعات الكراهية للعام الثالث على التوالي، إلى 733، في عام 2021، من أعلى مستوى تاريخي بلغ 1020 في عام 2018. وانخفض عدد الجماعات المناهضة للحكومة أيضا من 566 في عام 2020 إلى 488 في عام 2021.
ولا يعني هذا الانخفاض انحسارها "ولكن الأفكار المتطرفة التي تحشدهم تعمل الآن بشكل أكثر انفتاحا في التيار السياسي السائد".
ويقول روزنبلوم إن "المجموعات المتشددة نشطة للغاية على الإنترنت، وتستخدم الإنترنت وسيلة لربط الأفراد ببعضهم البعض بشكل علني أو بالخداع".
وأضاف "هناك الكثير من الرسائل التي تصدر منها، وهي رسائل خادعة وهي تصل إلى الأفراد الذين، لسبب أو لآخر، يجدون هذه الرسائل مقبولة. ولكن سواء كانوا يتصرفون بمفردهم أو من خلال مجموعات، فمجموعات العنف لا تزال نشطة للغاية".
ويشير موقع بوليتيكو في تحليله إلى أن غرايدون يونغ، من جماعة "حراس القسم" التي شاركت في اقتحام الكابيتول، أصبح مهووسا بنظريات المؤامرة بعد انتخابات 2020، وكان مستعدا لممارسة العنف قبل اقتحام مبنى الكونغرس
وتشير كتابات ديباب على الإنترنت إلى اهتمامه بـ "نظريات المؤامرة التي يدعمها اليمين المتطرف". وقال جي. ماكنا، من جامعة جورج واشنطن، لموقع بوليتيكو إن منشوراته تكشف أن دوافعه هي "كراهية اليهود، وإنكار الهولوكوست، ومعاداة السود، ومعاداة المتحولين جنسيا، وكراهية للنساء، والشيوعية، والليبرالية" .
وكان ديباب قد أبلغ المحققين بعد القبض عليه أنه كان يريد "احتجاز" نانسي بيلوسي "رهينة وكسر ركبتيها"، ليظهر لأعضاء الكونغرس الآخرين أن هناك "عواقب للأفعال".