في الذكرى الـ12 لنكبة فبراير: اليمن.. اقتصاد متهالك ووطن مقطع الأوصال
في مثل هذا اليوم من كل عام، تحل على اليمنيين ذكرى يوم 11 فبراير 2011، النكبة الأكثر سوءاً في العصر الحديث، والتي أنتجتها مؤامرات ما يسمّى بـ(الربيع العربي)، لغرض إشاعة الفوضى، وتفكيك الدول والجيوش في عدة دول عربية، لا سيما تلك التي جاءت فيها ثمرة حقبة من الكفاح التحرري ضد الاستعمار الداخلي والخارجي، توّاقة للحرية والاستقلال.
تحل الذكرى الـ12 للنكبة، واليمنيون يعانون الأمرين بمرور 12 عاماً بعد تسليم النخبة السياسية لقيادات حزب الاصلاح (الجناح السياسي لجماعة الإخوان) وتكتل اللقاء المشترك مقاليد السلطة لعصابة الحوثي الإرهابية، والهروب الى خارج البلد مع عائلاتهم ضمن مؤامرة ومخطط خارجي، وبرعاية أممية هدفها تدمير مكتسبات حقب الاستقلال والوحدة والجمهورية.
نكبة 11 فبراير، ذلك اليوم المشؤوم الذي أشرف على التنفيذ الميداني لهذا المخطط المعدّ داخل دوائر مقرات الاستخبارات الأميركية والبريطانية والصهيونية، صهيونيان معروفان بعدائهما لمنجزات حركات التحرر القومي العربي، وهما نائب الرئيس الاميركي اليهودي جون بايدن، والمفكر الفرنسي الاسرائيلي برنارد هنري ليفي، والناشطة النوبلية توكل كرمان -تحمل الجنسية التركية- عميلة الاستخبارات الدولية الراعية لجماعة الإخوان ضمن سياسة التمكين للقيادات الليبرالية للجماعة لخدمة الأجندة الدولية، وجميعهم تواجدوا بشكل مباشر في ساحات البلدان العربية المنكوبة وبتنفيذ جماعات الإسلام السياسي بشقيه الإصولي "الإخواني" والشيعي "الحوثي" بهدف تفكيك بلدان الشرق العربي وتقسيمه إلى كانتونات طائفية متناحرة، وفق تصوّرات المؤرّخ اليهودي برنارد لويس ومستشار الأمن القومي الأميركيّ الأسبق بريجنسكي.
وفي هذا التقرير نتناول ذكرى 11 فبراير، وما ألحقته بكوارثها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أضرار وخسائر بحق اليمنيين سواء بشرية او مادية او مالية.
شكلت أحداث نكبة 11 فبراير وما تلاها من نكبة 21 سبتمبر 2014 التي قام بها الحوثيون، والاخيرة جاءت استكمالا وامتدادا لسابقتها، بادخالها البلاد في حرب ضروس عقب اجتياح ذراع إيران للعاصمة اليمنية صنعاء، وانقلابها على السلطة بتواطؤ إخواني متسببة بمآس كبرى للشعب اليمني، قتل جرّاءها حتى نهاية العام الماضي 2022 نحو (377 ألف يمني) بشكل مباشر وغير مباشر، بحسب اخر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
ويعاني اليمنيون أوضاعًا معيشية واقتصادية صعبة متفاقمة منذ أكثر من 12 عاماً نتيجة الحرب ومصادرة الرواتب وازدياد البطالة، إذ ازدادت نسبة الفقر بين السكان ووصلت إلى 83%، ودفعت بنحو 18 مليون نسمة الى تحت خط الفقر، بينما بات يعاني نحو 2.9 مليون طفل من سوء التغذية من أصل 5.4 مليون طفل، بنسبة تصل إلى 55 في المئة، بينهم نحو 400 ألف طفل مصاب بسوء التغذية الحاد الوخيم. وفقا لتقديرات أممية.
وصحيا، يعاني 8 ملايين شخص، من مشكلات نفسية، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ ثماني سنوات، وفقاً لتقرير نشرته منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة مؤخراً، أكدت فيه أن الأمراض النفسية تعد من أكثر الحالات الصحية شيوعاً في البلاد.
ونجحت نكبة فبراير وما تلاها من احداث مؤسفة في اشاعة الفوضى الهدامة، وتدمير البنية التحتية وتفكيك الجيش وانهاكه، وتدمير الكثير من المعالم الأثرية، ونهب وتهريب آلاف القطع والمخطوطات الأثرية وبيعها في الخارج.
وتسببت في انهيار مؤسسات الدولة بكامل خدماتها الأساسية والضرورية كالصحة والكهرباء والمياه والصرف الصحي، حيث يفتقر أكثر من 17,8 مليون شخص في اليمن، بما في ذلك 9,2 مليون طفل، إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة. بحسب تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.
وحولت مليشيا الحوثي -احدى شركاء نكبة فبراير- التعليم الحكومي الى تعليم طائفي مشبع بافكار العنف والتحريض وثقافة الكراهية، والموت، وحرّفت المناهج الدراسية بهدف انشاء جيل عقائدي مفخخ يدين بالولاء لإيران وينفذ اجندتها التوسعية، ورفعت رسوم المدارس الأهلية والجامعات الحكومية بشكل خيالي بهدف حرمان الطلاب اليمنيين من التعليم الحقيقي الهادف.
اما الخدمات العامة كـالكهرباء تم تحويلها الى محطات تجارية خاصة ورفعت اسعارها خمسة اضعاف سعرها الزهيد خلال عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، بينما انقطعت المياه بشكل شبه كلي، واعتمد السكان على شراء وايتات المياه وخزانات السبيل.
وتعرض اليمنيون لآلاف الانتهاكات خلال 12 عاما مضت، على أيدي جماعات من مليشيا الاصلاح والحوثيين في كافة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وقتل نحو 400 مختطف جراء التعذيب في سجون الجماعتين، وقوضت الحريات العامة والشخصية، وتعرض اليمنيون غير المؤدلجين للإقصاء من وظائفهم، وتصاعدت الانتهاكات وعمليات الاخفاء القسري في الطرقات بين المدن.
فيما اضطر اكثر من 4.3 مليون يمني للنزوح داخلياً بسبب الحرب، ناهيك عن اكثر من 700 ألف مهاجر وطالب لجوء، لأسباب تعود اغلبها على خلفية الانتماء أو الولاء الحزبي.
وفي الجانب الاقتصادي، ارتفعت اسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والدوائية ومواد البناء والوقود والغاز لخمسة اضعاف ما كانت عليه قبل نكبة 11 فبراير 2011، وانهارت العملة الوطنية والاقتصاد بشكل متسارع متسببة في خسارة اليمن نحو 126 مليار دولار أميركي من النمو الاقتصادي المحتمل.
وعلى صعيد الوضع الأمني، تزايدت جرائم القتل الجنائية بصورة شبه يومية، وتفشت جرائم العنف الأسري وحالات الانتحار، نتيجة الظروف المادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون. وتسببت فبراير والحرب الحوثية في اثارة النزاعات الطائفية والمناطقية والعنصرية والقبلية بشكل قياسي في اوساط المجتمع، واوجدت شرخا كبيرا في النسيج الاجتماعي، يعتقد اخصائيون اجتماعيون انه ليس من السهولة ترميمه، في تحدٍ أعظم من إعادة إعمار البلاد.
وفي الواقع الجغرافي، تسببت فبراير وما تلاها من حرب افتعلها الحوثيون في ظهور المليشيات المسلحة وتقسيم البلد الموحد ميدانيا الى ثلاثة أقسام، وانتهكت السيادة بفعل التدخلات الخارجية والأممية السافرة، ووضع البلد تحت الوصاية بقرارات أممية، واعادتها الى حقبة التقسيم والتمزّق والشتات والتبعية.
في المقابل، لا يزال كل احرار الشعب اليمني متمسكين بحقهم في استعادة المكتسبات التي تحققت خلال العهد الذهبي للزعيم صالح، اثر نتائج مأساة نكبة 11 فبراير الاسود، مواصلين مسيرة الكفاح التي اطلقها الزعيم علي عبدالله صالح صبيحة فجر الـ2 من ديسمبر 2017 واستعادة الجمهورية ومكتسباتها واعادة اليمن الى سابق عهده الميمون والسير على درب آلاف الشهداء والجرحى.
وما تزال الآثار الاجتماعية والنفسية لنكبة فبراير وتوأمها 21 سبتمبر، تنعكس بظلالها القاتمة على جيل بأكمله، فحتى لو حل السلم في البلد، ستبقى عالقة في أخيلة الكثير من اليمنيين ذكرياتها المؤلمة، ويصعب علاج آثارها وندباتها العميقة الغائرة على المدى القريب.
للمزيد:
- فبراير 2011.. احتفاء مفضوح بنكبة شعب وضياع دولة
- نكبة 11 فبراير.. 12 عاماً على تقويض أركان الدولة اليمنية