"يتحدث نيابة عن نفسه".. ردود فعل أميركية بعد تصريحات ماكرون بشأن تايوان

واجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات أوروبية وأميركية بعد تعليقات أدلى بها خلال زيارته إلى الصين قبل أيام، دعا فيها أوروبا إلى تطوير موقف مستقل عن الولايات المتحدة في التعامل مع التوترات بين بكين وتايوان.

ورغم الانتقادات، لا يبدو أن واشنطن تأخذ تصريحات ماكرون على أنها علامة جدية على تغير في موقف أوروبا من الخلاف بين واشنطن وبكين، كما يقول الباحث في معهد هدسون، ريتشارد وايتز.

أدلى ماكرون بتصريحاته في مقابلة مع بوليتيكو وصحيفة Les Echos الفرنسية اليومية على متن رحلة يوم الجمعة بين بكين ومدينة قوانغتشو جنوبي الصين.

ماكرون وشي في اليوم الأخير من زيارة الرئيس الفرنسي إلى الصين

وقال ماكرون "السؤال الذي نطرحه نحن الأوروبيين على أنفسنا هو ما يلي: هل من مصلحتنا الإسراع عندما يتعلق الأمر بتايوان؟ الجواب هو لا".

وأضاف خلال المقابلة "أسوأ شيء هو الاعتقاد بأننا نحن الأوروبيين يجب أن نصبح أتباعا حول هذا الموضوع، وأن نأخذ إشارتنا من أجندة الولايات المتحدة ورد الفعل الصيني المبالغ فيه".

وقال وايتز لموقع "الحرة" إن "ماكرون يتحدث نيابة عن ماكرون"، وليس نيابة عن أوروبا أو حتى الموقف الذي يمثل السياسة الفرنسية.

ويضيف أن "ماكرون معروف بأمثال هذه التصريحات، إذ دعا في السابق إلى التفاهم مع روسيا بشأن أوكرانيا، مع أنه قام بعدها بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

وتعرض الرئيس الفرنسي لانتقادات في الماضي عندما قال إنه لا ينبغي "إذلال" موسكو في أي اتفاق سلام بشأن أوكرانيا، وبإصراره على ضمانات أمنية لموسكو في إطار مفاوضات لإنهاء الحرب.

وعلى متن الطائرة المتجهة إلى قوانغتشو، حذر ماكرون من أن أوروبا تواجه الآن خطر "الوقوع في أزمات ليست لها، ما يمنعها من بناء استقلالية استراتيجية"، وفقا لجزء من المقابلة التي نشرتها بوليتيكو.

وأثارت تعليقات ماكرون، التي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها تعيد إشعال النزاعات طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والأوروبيين، انتقادات من مختلف الأطياف السياسية الأميركية.

وقال إيفو دالدر، الذي كان سفيرا للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي في عهد الرئيس باراك أوباما لصحيفة وول ستريت جورنال "إن تصريح ماكرون صب في مصلحة شي - وهو فصل أوروبا عن الولايات المتحدة وبالتالي تقويض أكبر ميزة لواشنطن - تحالفاتها وشراكاتها في جميع أنحاء العالم".

وقال دالدر إن دفع ماكرون من أجل موقف مستقل عن الولايات المتحدة وتجنب الأزمات التي ليست من صنع أوروبا، "هو بالتأكيد موسيقى تعزف في آذان شي".

ويقول وايتز إن "الصين رحبت بتعليقات ماكرون لأنها ربما يمكن أن تروج لمثل هذه التصريحات على أنها علامة للانشقاق في الحلف الغربي، في المقابل لم ترحب بها واشنطن للسبب ذاته".

ورغم أن وايتز يعتقد أن تصريحات الرئيس الفرنسي قد لا تحمل أثارا واقعية في ما يخص العلاقات الفرنسية الأميركية، يقول إن آثارها قد تكون محسوسة في المشهد السياسي الأميركي حيث "يمكن أن يستفيد منها دعاة قطع الدعم الأميركي عن أوروبا وتركها وحيدة في مواجهة روسيا".

لكن جهوده الديبلوماسية طغت عليها رحلة قامت بها رئيسة تايوان تساي إنغ وين إلى كاليفورنيا قبل أيام للقاء رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي - وهو الاجتماع الأول من نوعه، وأثار إدانة بكين.

وقال السناتور ماركو روبيو، وهو عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في مقطع فيديو نشر على تويتر إن الولايات المتحدة يجب أن تسأل الأوروبيين الآخرين عما إذا كانوا يقفون مع الرئيس الفرنسي.

وأضاف "هل يتحدث ماكرون باسم ماكرون، أم يتحدث ماكرون باسم أوروبا؟" مضيفا أن "الموقف الذي تتخذه فرنسا وأوروبا بشأن تايوان يمكن أن يؤثر على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع غزو روسيا لأوكرانيا".

وقال إنه إذا كانت فرنسا وأوروبا لا تريدان الانحياز إلى جانب بين تايوان والصين فربما "لا ينبغي لنا أن نختار جانبا أيضا" ونترك أوروبا تتعامل مع أوكرانيا.

ويقول وايتز إن ماكرون قد يكون يحاول "اللعب ببطاقات متعددة وتجنب إظهار تفضيله جانبا على آخر، كما فعل رؤساء فرنسيون مشهورون في السابق مثل ديغول، لكن المشكلة إن ماكرون لا يمتلك ما يؤهله للعب هذا الدور".

وسافر ماكرون إلى الصين للضغط على الزعيم الصيني شي جين بينغ للحد من دعم بكين لروسيا في الحرب على أوكرانيا.

وجاءت هذه التصريحات يوم الجمعة، قبل أن تطلق الصين تدريبات قتالية واسعة النطاق حول تايوان تحاكي حصار الجزيرة ردا على رحلة الرئيسة التايوانية إلى الولايات المتحدة الأسبوع الماضي.

وقال دبلوماسيان كبيران في الاتحاد الأوروبي إن تصريحات ماكرون ستضر بعلاقة أوروبا وأوكرانيا مع الولايات المتحدة، وستجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي صياغة موقف موحد تجاه بكين، وفقا لـفاينانشيال تايمز.

ونقلت فاينانشيال تايمز عن أنطوان بونداز، المتخصص في شؤون تايوان في مؤسسة البحوث الاستراتيجية، وهي مؤسسة فكرية فرنسية، قوله إنه كان "صعبا" أن يبدو أن ماكرون يلمح إلى أن الولايات المتحدة مخطئة في أي تصعيد بشأن تايوان مثل بكين.

وقال بونداز "من الواضح أن لديك رئيسا يغادر الصين بعد زيارة ينظر إليها على أنها مرضية تماما بالتزامن مع بدء التدريبات العسكرية التي تستهدف تايوان، وهو لا يظهر في أي لحظة انتقاده للصين لكن ينتقد الولايات المتحدة".

مع هذا أشادت واشنطن بالدعم الفرنسي في "منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

وردا على سؤال حول تصريحات ماكرون، أصر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، الاثنين، على أن الولايات المتحدة وفرنسا لديهما "تعاون ثنائي رائع" وينسقان بشكل وثيق بشأن القضايا الأمنية في أوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ ومنطقة الساحل وأماكن أخرى.

ومن المقرر أن يبدأ ماكرون، الثلاثاء، زيارة تستغرق يومين إلى هولندا، حيث من المقرر أن يلقي خطابا حول سيادة أوروبا، مع التركيز على الاقتصاد والصناعة، كما نقلت أسوشيتد برس عن مكتبه.

وفي المقابلة أيضا قال ماكرون "نحن، الأوروبيين، يجب أن نستيقظ، أولويتنا لا يجب أن تكون جداول أعمال الآخرين في جميع مناطق العالم"، وشدد على مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" لأوروبا الذي روج له لسنوات. وحذر مما أسماه "الفخ" الذي من شأنه أن يؤدي إلى "الوقوع في أزمات ليست لنا".

ووفقا لفرانس برس فإن بوليتيكو، التي نشرت المقابلة، قالت إن مكتب ماكرون طلب التحقق من اقتباسات الرئيس قبل نشرها، وهي ممارسة شائعة في فرنسا، مما أدى إلى حذف بعض أجزاء المقابلة التي "تحدث فيها بصراحة أكبر عن تايوان والاستقلال الاستراتيجي لأوروبا".