تجارة "الوقود الأسود" ونهب المنح.. كهرباء عدن مرآة حقيقية لفساد الحكومة اليمنية

يمثل الانهيار الشامل لخدمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن مرآة حقيقية تعكس عمق الفساد الإداري والمالي الذي يتغلغل في مفاصل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

لم يعد المواطن في عدن ينظر إلى انقطاع التيار الكهربائي كخلل فني ناجم عن نقص الموارد بل يراه نتيجة حتمية لسياسة التعطيل الممنهج وغياب الإرادة السياسية الصادقة لإنهاء المعاناة. 

إن تجريد الحقائق وتعريتها يكشف بوضوح أن الحكومات المتعاقبة حولت قطاع الطاقة من مرفق خدمي حيوي إلى بؤرة كبرى لاستنزاف أموال الدولة وتبديد المنح الإقليمية السخية عبر حزمة من الممارسات المشبوهة والقرارات الارتجالية التي خدمت شبكات مصالح ضيقة على حساب حياة الملايين من السكان المحرومين من أبسط مقومات العيش الكريم.

تجارة الوقود الأسود 

تتجلى أوضح صور الفساد الحكومي في ملف الكهرباء عبر آلية شراء المشتقات النفطية لمحطات التوليد من ديزل ومازوت والتي تلتهم مئات الملايين من الدولارات شهرياً من خزينة البنك المركزي. 

تعمدت الجهات النافذة في الحكومة اليمنية تعطيل مصافي عدن وإبقاءها متوقفة عن تكرير النفط الخام المحلي، لإفساح المجال كاملاً أمام تجار ونافذين محليين لاحتكار عمليات استيراد الوقود الجاهز بأسعار تفوق بكثير الأسعار العالمية.

 تحول هذا الشراء المستمر إلى عملية سمسرة منظمة تجني منها شبكات المصالح داخل الحكومة أرباحاً طائلة من فروق الأسعار والعمولات، بينما يدفع المواطن ثمن هذا الجشع من خلال بقائه في الظلام الدامس بحجة عدم توافر اعتمادات مالية لشراء الوقود الإسعافي.

ولا يتوقف الفساد عند حدود عقود الشراء الفلكية، بل يمتد إلى عمليات التلاعب بكميات الوقود الموردة ومستوى جودتها، فقد شهدت العديد من محطات التوليد في عدن خروجاً مفاجئاً للتوربينات عن الخدمة وتلفاً في أجزائها الحيوية نتيجة تزويدها بشحنات وقود مغشوش وغير مطابقة للمواصفات الفنية جرى تمريرها عبر صفقات مشبوهة ودون رقابة حقيقية.

بالتوازي مع ذلك، تنشط شبكات تهريب ممنهجة تقوم بتسريب كميات ضخمة من الديزل المخصص للمحطات وبيعه للمصانع والمنشآت التجارية في السوق السوداء، مما يؤدي إلى نفاد الكميات المتاحة للتوليد سريعاً وبدء موجة انقطاعات جديدة تبحث فيها الحكومة عن شماعة أخرى لتعليق إخفاقاتها.

لغز الطاقة المستأجرة 

أصبح ملف الطاقة المستأجرة يمثل لغزاً كبيراً وشاهداً صارخاً على سوء الإدارة والفساد المستشري في أروقة وزارة الكهرباء والحكومة اليمنية.. فبدلاً من الاستثمار في بناء محطات توليد حكومية مملوكة للدولة ذات كفاءة عالية وتكلفة تشغيلية منخفضة، فضلت الحكومة الاعتماد لسنوات طويلة على استئجار مولدات من شركات تجارية خاصة بأسعار خيالية. 

المبالغ الضخمة المهدورة التي دُفعت كإيجارات شهرية لهذه الشركات الخاصة على مدار العقد الماضي كانت كفيلة بإنشاء محطات توليد عملاقة وحديثة تغطي احتياج مدينة عدن والمحافظات المجاورة لها بالكامل وتفيض عن حاجتها.

يعود تمسك الحكومة بخيار الطاقة المستأجرة إلى المصالح المالية المشتركة بين مسؤولين في الإدارة وصناع القرار وملاك تلك الشركات؛ حيث تجدد العقود سنوياً ببنود مجحفة تضمن استمرار تدفق الأموال العامة إلى حسابات خاصة. 

وعندما تعجز الحكومة عن سداد المستحقات المتراكمة جراء العجز المالي، تقوم هذه الشركات بإطفاء مولداتها كأداة ضغط سياسي واقتصادي، مما يغرق المدينة في ظلام دامس ويحول حياة الناس إلى جحيم مرير لمجرد الحفاظ على استمرارية عقود الاستئجار المشبوهة ورفض التوجه نحو الحلول الاستراتيجية المستدامة.

محطة الرئيس 

تكشف قصة محطة بترومسيلة الاستراتيجية المعروفة بمحطة الرئيس بوضوح طبيعة الخذلان الحكومي لعدن؛ فهذه المحطة التي صُممت لتعمل بقدرة توليدية عالية وبالاعتماد على النفط الخام المحلي الأقل كلفة، واجهت وما زالت عراقيل وصعوبات جمة حالت دون تشغيلها بقدرتها الكاملة. ورغم الجدوى الاقتصادية الكبيرة للمحطة وقدرتها على توفير مئات الملايين من الدولارات المهدرة في شراء الديزل، إلا أن الحكومة اليمنية تقاعست بشكل مريب عن استكمال خطوط النقل والتوزيع وشبكات التصريف الخاصة بها، مما جعلها تعمل بطاقة جزئية محدودة لا تتناسب مع حجم التمويل الضخم الذي رُصد لها.

يرى خبراء ومراقبون أن تعطيل تشغيل محطة الرئيس بكامل طاقتها ليس عجزاً هندسياً أو مالياً، بل هو قرار وتوجه تقف وراءه قوى مستفيدة داخل منظومة الشرعية تخشى من أن يؤدي نجاح المحطة واعتمادها على النفط الخام إلى إغلاق حنفية الأموال السائبة المتدفقة عبر صفقات الديزل والطاقة المستأجرة. 

إن إبقاء هذا المشروع الاستراتيجي مكبلاً وغير قادر على تقديم الحلول الجذرية يعكس عقلية إدارة الأزمات بالمسكنات ورفض أي خطوات حقيقية نحو الاستقرار الخدمي الذي يتطلب نزاهة وشفافية تغيبان تماماً عن الأداء الحكومي الحالي.

غياب المحاسبة وحماية الفاسدين 

يمثل غياب مبدأ المحاسبة والمساءلة وتفشي الإفلات من العقاب البيئة الخصبة التي ترعرع فيها هذا الفساد المرعب بقطاع الكهرباء في عدن. لم تشهد المدينة طوال سنوات الأزمة محاسبة مسؤول كبير أو وزير أو تاجر متورط في صفقات وقود مغشوش أو تبديد أموال الطاقة المستأجرة، بل على العكس تماماً يتم تدوير المناصب وحماية الفاسدين داخل أجهزة الدولة المختلفة، وتكتفي الحكومة اليمنية بإصدار بيانات الوعيد وتشكيل اللجان الرقابية الصورية التي تنتهي تقاريرها في أدراج المكاتب المغلقة دون اتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحق المتلاعبين بقوت وحياة المواطنين.

إن هذا التواطؤ الحكومي والصمت المريب عن قضايا الفساد الموثقة في تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة يؤكدان أن الفشل في ملف الكهرباء ليس مجرد صدفة أو سوء حظ، بل هو نتاج منظومة مصالح متكاملة تشترك فيها أطراف متعددة داخل السلطة اليمنية.. وبسبب هذا الغياب التام لسطوة القانون وأدوات الرقابة الحقيقية، يدفع المواطن البسيط في شوارع عدن ومنزله ثمن هذا الفساد الذريع من صحته وراحته ومستقبل أبنائه في صيف لاهب لا يرحم.

تبديد المنح 

تتكشف الحقائق يوماً بعد آخر لتؤكد أن حجم المساعدات والهبات المالية والعينية التي ضختها دول التحالف العربي ممثلة بالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في قطاع الطاقة الكهربائية بمدينة عدن، يعادل ميزانيات دول بأكملها، حيث بلغت هذه التدخلات مليارات الدولارات على مدار العقد الماضي، وكانت آخر هذه الجهود الإنسانية والسخية المنحة النفطية السعودية البالغة 150 مليون دولار والمخصصة لتأمين المشتقات النفطية لمحطات التوليد. 

ومع ذلك، فإن هذه المبالغ المهولة والفرص التاريخية لإنقاذ المدينة تبخرت بالكامل دون تحقيق أي استقرار مستدام للخدمة، لتتحول هذه المنح بفعل فساد ونهب الحكومة اليمنية وأجهزتها التنفيذية من قوارب نجاة للمواطنين إلى غنائم باردة ومصادر ثراء غير مشروع لشبكات الفساد المنظم داخل مؤسسات الدولة.

امتصاص المنح 

تعاملت هوامير الفساد في الحكومة اليمنية مع الدعم والمنح الخليجية بعقلية الفيد والغنيمة، حيث جرى ابتكار آليات معقدة لامتصاص هذه الأموال وتحويل مساراتها بعيداً عن غرضها الأساسي وهو توفير الطاقة للناس.. تمثل الفساد الحكومي في الالتفاف على المنح العينية من وقود ومعدات عبر التلاعب في كشوف التوزيع والاستهلاك ومعدلات الفاقد الفني؛ إذ تُظهر التقارير الرسمية قيام جهات نافذة ببيع كميات ضخمة من الديزل والمازوت المورد كمنح خليجية مجانية لشركات تجارية خاصة ومصانع محلية بأسعار تجارية، ثم تقييد تلك الكميات المنهوبة في الدفاتر الرسمية على أنها "أحرقت في محطات التوليد" لتبرير استمرار العجز وتمديد ساعات الانقطاع.

هذه الأموال المهولة التي كان يمكن أن تبني شبكات طاقة عملاقة على غرار أحدث المدن العالمية، جرى تفتيتها وتسييلها لصالح حسابات بنكية خاصة خارج البلاد، في وقت تخلت فيه الحكومة تماماً عن مسؤوليتها السيادية في بناء الاقتصاد المحلي. 

وبدلاً من استغلال الغطاء المالي الخليجي الضخم للانتقال نحو الإنتاج المستقل والمستدام، وضعت الحكومة اليمنية كامل ثقلها في اتجاه إبقاء الوضع على ما هو عليه، لتضمن استمرار تدفق الهبات التي ترى فيها المنظومة الحاكمة مورداً مالياً مجانياً لا يخضع للرقابة الصارمة ولا يتطلب تقديم حسابات ختامية شفافة.

 منحة الـ150 مليون دولار في ثقب الفساد الحكومي الأسود

تعد المنحة السعودية الأخيرة البالغة 150 مليون دولار الشاهد الأبرز والأحدث على الفساد والنهب الذريع الذي تمارسه الحكومة اليمنية في ملف الكهرباء. 

فرغم أن هذه المنحة جاءت بآليات إشرافية وشروط إصلاحية صارمة يفترض أن تضمن وصول الوقود إلى غرف الاحتراق في المحطات مباشرة، إلا أن النفوذ الحكومي الفاسد نجح في تفريغ المنحة من محتواها الخدمي؛ حيث تحولت هذه الملايين إلى مجرد مسكن مؤقت لم يدم مفعوله سوى أسابيع قليلة، لتعود عدن بعد نفادها مباشرة إلى الإطفاءات الكارثية التي تجاوزت حاجز الاثنتي عشرة ساعة متواصلة.

لقد تسببت البيروقراطية الحكومية المتعمدة والتلاعب في مناقصات النقل الداخلي والتفريغ في الموانئ بتبديد القيمة الفعلية لمنحة الـ150 مليون دولار، حيث فرضت شركات النقل والوكلاء المحليون التابعون لمسؤولين في الحكومة رسوماً خيالية وعمولات باهظة لتمرير الشحنات، مما التهم جزءاً كبيراً من المخصصات المالية على شكل نفقات جانبية وإدارية وهمية. 

هذا الفشل والنهب المنظم لمنحة بهذا الحجم يثبت أن المعضلة في عدن ليست في شح الدعم أو قلة التمويل الخارجي، بل في وجود سلطة تمتهن اللصوصية وتقتات على أزمات مواطنيها، وتحول أي دعم إقليمي إلى وقود لاستمرار بقائها وثرائها الخاص.