"الجلطة النفطية".. كيف تحول إغلاق هرمز إلى تهديد قاتل للمكامن الجيولوجية في إيران؟
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إلى تصاعد المخاوف بشأن تداعيات قد تتجاوز اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، لتطول البنية الجيولوجية لحقول النفط نفسها، في تطور يحذر خبراء من أن آثاره قد تستمر لسنوات.
ويمر عبر المضيق عادة ما بين 20% و25% من إمدادات النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، غير أن التوترات المتصاعدة في المنطقة أدت خلال الأسابيع الماضية إلى تقييد حركة الملاحة بشكل غير مسبوق.
وذكرت مجلة "ذا كونفرسيشن"، أن إيران فرضت قيوداً على المرور عبر المضيق، في حين شددت الولايات المتحدة إجراءاتها البحرية ضد حركة السفن الإيرانية، الأمر الذي حدّ بصورة كبيرة من قدرة طهران على تصدير النفط الخام.
وفي الثالث من مايو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق مشروع أمني بحري يقضي بمرافقة سفن حربية أمريكية لناقلات النفط التابعة لدول غير منخرطة في النزاع أثناء عبورها المضيق. إلا أن تقارير أشارت لاحقاً إلى تعرض عدد من السفن لإطلاق نار أثناء محاولتها العبور، ما أبقى الممر المائي شبه مغلق فعلياً.
وبينما تمثلت التداعيات المباشرة في احتجاز ناقلات النفط وارتفاع الأسعار بصورة حادة، حذر محللون من أن منشآت تخزين النفط الإيرانية تقترب سريعاً من طاقتها القصوى، وهو ما قد يدفع المنتجين إلى إيقاف بعض الآبار بالكامل خلال أسابيع.
لكن الخطر الأكبر، وفق التقرير، يكمن في الأضرار غير المرئية التي قد تصيب المكامن النفطية تحت الأرض نتيجة التوقف المفاجئ وطويل الأمد للإنتاج.
تجنب إيقاف الإنتاج
ويشير التقرير إلى أن آبار النفط ليست منشآت يمكن تشغيلها وإيقافها بسهولة، إذ يعتمد تدفق النفط على توازن دقيق بين الضغط والحرارة وتوزيع السوائل والغازات داخل الصخور الحاملة للخام.
وعلى خلاف الصورة الشائعة التي تتعامل مع الحقول النفطية باعتبارها بحيرات ضخمة تحت الأرض، فإن النفط يوجد فعلياً داخل مسامات دقيقة للغاية في الصخور، ويبقى مستقراً بفعل توازن معقد بين النفط والغاز والمياه.
وعندما يتوقف الإنتاج بصورة مفاجئة، يبدأ هذا التوازن بالاختلال. فالتغيرات في الضغط داخل المكمن قد تؤدي إلى إعادة توزيع غير منتظمة للسوائل، خاصة في الحقول التي تعتمد على ضخ المياه أو الغاز للحفاظ على تدفق الخام.
ويحذر التقرير من أن توقف عمليات الضخ قد يدفع السوائل المحقونة إلى التحرك في مسارات مختلفة عند استئناف الإنتاج، بما يقلل من قدرة الحقول على دفع النفط نحو الآبار، ويؤثر على كفاءة الاستخراج مستقبلاً.
ويلفت إلى أن النفط الخام يحتوي على مركبات ثقيلة مثل الشمع والمواد الأسفلتية، وهي مكونات قد تترسب داخل المسامات الدقيقة أو داخل البئر نفسها عند تغير الضغط أو درجات الحرارة، ما يؤدي إلى انسدادات قد يصعب علاجها حتى باستخدام تقنيات مكلفة.
ويضيف التقرير أن المياه الطبيعية الموجودة داخل المكامن قد تشكل تحدياً إضافياً. فمع توقف الإنتاج، يمكن أن تتسرب المياه إلى المناطق الغنية بالنفط، وعند إعادة تشغيل الآبار قد ترتفع نسبة المياه المنتجة بصورة كبيرة مقابل انخفاض كميات النفط، ما يرفع تكاليف المعالجة ويقلل الجدوى الاقتصادية للإنتاج.
ولا تقتصر المخاطر على الجانب الكيميائي، إذ تواجه الآبار أيضاً تهديدات ميكانيكية نتيجة التوقف الطويل، تشمل التآكل وتراكم الترسبات المعدنية وضعف البنية الداخلية للآبار، ما قد يتطلب أعمال صيانة معقدة ومكلفة لإعادتها إلى الخدمة.
ويرى أن بعض المكامن النفطية شديدة الحساسية لتقلبات الضغط، حيث قد يؤدي الانخفاض الحاد أو غير المنتظم في الضغط إلى انضغاط الصخور الحاملة للنفط، وهو ما يقلل بشكل دائم من قدرتها على تخزين ونقل السوائل.
كما يشكل الغاز المصاحب للنفط عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد. ففي كثير من الحقول يكون الغاز مذاباً داخل النفط تحت ضغط مرتفع، لكن انخفاض الضغط قد يؤدي إلى تحرره على شكل فقاعات تعوق حركة الخام داخل المكمن، تاركة أجزاء من النفط عالقة تحت الأرض.
ويفسر ذلك، بحسب التقرير، حرص شركات النفط عادة على تجنب إيقاف الإنتاج إلا في حالات الضرورة القصوى، لأن الخسائر لا تتعلق فقط بتوقف الإيرادات، بل بإمكانية فقدان جزء من القدرة الإنتاجية للحقل بصورة دائمة.
نظام جيولوجي معقّد
ورغم أن بعض الحقول التقليدية الكبيرة تستطيع استعادة الإنتاج بسرعة نسبية بعد فترات الانقطاع، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الأضرار الخفية قد تستمر، سواء عبر ارتفاع تكاليف التشغيل أو انخفاض كفاءة الاستخراج أو بقاء كميات من النفط غير قابلة للإنتاج اقتصادياً.
وحذر التقرير من تداعيات بيئية محتملة، إذ قد يؤدي اضطراب الضغط داخل المكامن إلى زيادة تسرب غاز الميثان، في حين تتسبب عمليات إعادة التشغيل عادة في حرق كميات إضافية من الغاز، ما يرفع مستوى الانبعاثات.
ويقول إن التقنيات الحديثة قادرة على الحد من بعض هذه المخاطر عبر إدارة الضغط والمعالجات الكيميائية والحفاظ على الحد الأدنى من التشغيل، إلا أن تطبيق هذه الإجراءات يتطلب وقتاً وموارد وتنسيقاً قد لا يكون متاحاً خلال الأزمات الجيوسياسية المفاجئة.
وأشار التقرير إلى أن صناعة النفط تعتمد على تفاعل مستمر مع نظام جيولوجي بالغ التعقيد، وأن إيقاف الإنتاج بصورة واسعة ومفاجئة قد يترك آثاراً دائمة داخل الحقول، حتى بعد استئناف الضخ وإعادة فتح الممرات البحرية بوقت طويل.