أزمة الكهرباء تضرب امتحانات الثانوية.. اتهامات بتورط الحكومة ومسؤولين يمنيين في تجارة الطاقة
يستعد أكثر من 90 ألف طالب وطالبة، اليوم الأحد 7 يونيو/حزيران 2026، لخوض الامتحانات النهائية في لشهادة الثانوية للعام 2025/ 2026 في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة، وسط ظروف مناخية قاسية وانهيار شبه كامل لخدمة الكهرباء، في مشهد يقول تربويون وأولياء أمور إنه ينعكس بصورة مباشرة على مستوى التحصيل العلمي والأداء داخل قاعات الامتحانات.
وتبرز حدة الأزمة بصورة أكبر في المحافظات الساحلية، وفي مقدمتها عدن ولحج وأبين وحضرموت وشبوة، حيث تتزامن الامتحانات مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة، بينما تعاني معظم المناطق من انقطاعات كهربائية طويلة، الأمر الذي يحرم الطلاب من المراجعة المنتظمة للدروس ويزيد من احتمالات الإجهاد والإغماء داخل اللجان الامتحانية.
وقال عدد من طلاب الثانوية في مدينة عدن لوكالة "خبر" إنهم واجهوا صعوبات بالغة خلال الأيام الماضية في استكمال مراجعة المناهج الدراسية، نتيجة تجاوز ساعات انقطاع التيار الكهربائي 11 ساعة مقابل ساعتين فقط من التشغيل، وهو ما اضطر كثيرين إلى الدراسة في ظروف غير مناسبة أو خلال فترات متقطعة.
وفي محافظة لحج، أفاد طلاب بأن الأزمة أكثر حدة، إذ تمتد فترات انقطاع الكهرباء -بحسب إفاداتهم - إلى نحو 48 ساعة متواصلة في بعض المناطق، وسط مطالبات للسلطات المحلية والجهات الحكومية بالتدخل العاجل لتخفيف المعاناة مع انطلاق الامتحانات.
وتتزامن تلك الظروف مع مؤشرات مناخية مرتفعة، إذ أظهرت بيانات مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد تجاوز درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في أجزاء من محافظة حضرموت، واقترابها من هذه المستويات في عدن ولحج، ما يزيد من المخاوف الصحية داخل قاعات الامتحانات.
ويقول طلاب في محافظات مختلفة إن عدم انتظام خدمة الكهرباء تسبب في اضطراب جداول المراجعة وإرباك الاستعدادات للاختبارات، مؤكدين أنهم يدخلون الامتحانات في ظل حالة من الإحباط والقلق النفسي بسبب عدم تمكنهم من استكمال دراسة جميع المقررات بالشكل المطلوب.
بيع مجوهرات.. واجهاد صحي
ولا تقتصر الأزمة على المنازل، بل تمتد إلى مراكز الامتحانات التي يُتوقع أن تستقبل أكثر من 93 ألف طالب وطالبة في القسمين العلمي والأدبي، حيث تعاني كثير من المدارس من غياب وسائل التبريد في ظل الانقطاع شبه الكامل للتيار الكهربائي، باستثناء عدد محدود من المؤسسات التعليمية التي جرى تزويدها بمنظومات طاقة بديلة بدعم من منظمات دولية.
ويروي الطالب رامي عبدالعزيز أن أسرته اضطرت إلى بيع مجوهرات والدته لتوفير منظومة طاقة شمسية تساعده على المذاكرة، إلا أن محدودية الإمكانات المالية حالت دون شراء بطاريات إضافية، ما جعل المنظومة تعمل خلال ساعات النهار فقط، مضيفاً أن عدداً من زملائه لجأوا إلى حلول مشابهة لتجاوز الأزمة.
في المقابل، يقول الطالب عادل أحمد إنه لم يتمكن من إنهاء مراجعة جميع المواد بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء، مشيراً إلى أنه كان يخرج مع مجموعة من زملائه إلى إحدى الحدائق العامة خلال فترة العصر للاستفادة من التهوية الطبيعية ومواصلة الدراسة بعيداً عن حرارة المنازل.
كما أوضحت الطالبة صفاء ناصر أنها وعدداً من زميلاتها تعرضن خلال الأيام الماضية لارتفاع في درجات الحرارة وإجهاد صحي استدعى نقلهن إلى مستشفيات في عدن، الأمر الذي انعكس سلباً على استعداداتهن للامتحانات.
وتؤكد طالبات أخريات أن خياراتهن لمواجهة الأزمة أكثر محدودية مقارنة بالذكور، في ظل صعوبة التنقل أو اللجوء إلى أماكن عامة للمذاكرة، إضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية لغالبية الأسر وعدم قدرتها على توفير حلول بديلة مثل أنظمة الطاقة الشمسية.
مسؤولون تجَّار طاقة
في المقابل، يوجّه أولياء أمور اتهامات إلى شخصيات نافذة داخل وزارة الكهرباء والحكومة المعترف بها دولياً بالاستفادة من أزمة الكهرباء عبر الحصول على عمولات أو حصص مالية من تجارة منظومات الطاقة البديلة، فيما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بالقول إن مسؤولين حكوميين يعدّون شركاء مباشرين لتجار هذا القطاع، وهو ما يفسر -بحسب رأيهم - استمرار تجاهل معاناة المواطنين وغياب أي حلول جادة لإنهاء الأزمة.
ويجمع الأهالي على أن تعطيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وعدم تفعيل دورها في متابعة أداء المؤسسات الحكومية أسهما في توسيع دائرة الفساد وفتح المجال أمام العبث بمصالح ملايين السكان.
وأكدوا أن استمرار خدمة الكهرباء في المدن الساحلية، وفي مقدمتها عدن، بمعدل لا يتجاوز ساعتين من التشغيل مقابل أكثر من 11 ساعة من الانقطاع، يعكس حجم الإخفاق الإداري والمالي الذي تعيشه مؤسسات الدولة، في ظل غياب المساءلة والمحاسبة.
سياسة التجهيل
من جهته، اتهم مصدر مسؤول في مكتب التربية والتعليم بعدن الحكومة بانتهاج ما وصفها بـ"سياسة التجهيل"، مشيراً إلى أن الجهات المعنية تدرك جيداً أن استمرار الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي يؤدي إلى تراجع المستوى التحصيلي للطلاب بنسبة تتجاوز 30 في المئة، ولا سيما مع تزامن الأزمة مع الامتحانات النهائية.
وأوضح المصدر، في حديثه لـ"خبر"، أن الحكومات التي تضع مستقبل الأجيال ضمن أولوياتها تلجأ عادة إلى خطط استثنائية للتعامل مع مثل هذه الأزمات، حتى في أوقات الحروب والصراعات، لضمان استمرار العملية التعليمية وحماية حق الطلاب في التعليم، إلا أن الأداء الحكومي الحالي -بحسب تعبيره - لا يختلف عن غيره من نماذج الإدارة التي كرست الفساد وأخفقت في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وبينما تتركز الأنظار حالياً على معاناة طلاب الثانوية العامة، يشير مواطنون إلى أن أزمة الكهرباء تمتد آثارها إلى مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، الذين يواجهون ظروفاً معيشية وصحية متفاقمة مع استمرار موجات الحر.
وكانت مدينة عدن قد شهدت خلال الأيام الماضية تظاهرة نسوية طالبت بتحسين خدمة الكهرباء ووضع حد للانقطاعات المستمرة، غير أن المشاركات في الاحتجاجات أكدن أن المطالب الشعبية لم تلق، حتى الآن، استجابة ملموسة من الجهات الحكومية، في وقت تتواصل فيه التساؤلات بشأن إدارة قطاع الكهرباء وآليات الاستفادة من الموارد والمنح المقدمة لدعمه، وسط دعوات متزايدة إلى مزيد من الشفافية والمساءلة.