عقيدة الانتظار العقيم... لماذا تخسر الشرعية معركة الداخل الملتهب

حين يتأمل المراقب الحصيف المشهد اليمني اليوم، يصاب بنوع من الذهول السياسي؛ ففي الوقت الذي تغلي فيه مناطق سيطرة مليشيا الحوثي على صفيح ساخن من الانتفاضات القبلية، والتصدعات الأمنية، والاحتقان الشعبي الذي بلغ ذروته، تبدو الحكومة الشرعية وكأنها تعيش في عالم موازي غارقة في عقيدة الانتظار العقيم والدبلوماسية الخجولة، ومكتفية بمقعد المتفرج على دراما وطنية يُفترض أنها المخرج والمؤلف لها.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة وإلحاح في الشارع اليمني ليس متى يسقط الانقلاب، بل أين هي الشرعية مما يحدث. 
فكل المعطيات على الأرض تؤكد أن المليشيا تعيش أضعف مراحلها بنيوياً وأخلاقياً، إذ تهاوت هيبتها أمام كتل قبلية متماسكة، وانكشفت عورتها العسكرية بعد أن أجبرتها البنادق الشعبية على التراجع والانكفاء في أكثر من موضع. 
هذه اللحظات التاريخية في عمر الشعوب تُسمى الفرص الاستراتيجية الحاسمة، وهي اللحظات التي تطير فيها الحكومات الحية لتلتقف المبادرة، وتنسج من خيوط الغضب الشعبي شبكة لإسقاط الكهنوت. 
لكن الشرعية، وللأسف، لا تزال تمارس هوايتها المزمنة في إهدار الفرص.
يبرز هذا الغياب الفاضح في عجز الشرعية عن صياغة مشروع وطني جامع يستوعب هذا الحراك الداخلي. 
بدلاً من أن تتحرك الآلة الإعلامية والدبلوماسية والعسكرية للشرعية لتوحيد الجبهات، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي لانتفاضة القبائل، وتحويل الهبات العفوية إلى فعل مقاوم منظم، نجد صمتاً يبعث على الريبة، وتحركات باردة لا تتجاوز بيانات الإدانة المكررة. 
هذا القصور لا يعكس فقط ضعفاً في الإرادة السياسية، بل يكشف عن أزمة أعمق تتمثل في ارتهان القرار الوطني للحسابات الإقليمية والدولية المعقدة، والوقوع في فخ التفاهمات الهشة التي لم يجني منها اليمنيون سوى إطالة أمد الانقلاب وتجذير المعاناة.
إن عدم استثمار الشرعية لهذا التصدع الحوثي يمثل خطيئة استراتيجية كبرى. فالقوة الحقيقية لأي سلطة شرعية لا تستمدها من الاعتراف الدولي ومقاعد الأمم المتحدة، بل من تلاحمها مع نبض الشارع وتراب الوطن. 
وحين تترك الشرعية القبائل الحرة والمواطنين العزل يواجهون آلة القمع الحوثية بمفردهم، دون إسناد حقيقي أو رؤية سياسية واضحة لإنقاذهم، فإنها تقامر برصيدها الأخلاقي والوطني، وتعمق فجوة الثقة بينها وبين الجماهير التي تتطلع إلى الخلاص. المليشيا لا تسقط بالبيانات، ولا بالرهان على تبدل المزاج الدولي، بل بخلخلة ركائزها في الداخل، وهو الأمر الذي يفعله الأحرار اليوم بصدورهم العارية بينما تغيب عنه حسابات رجال الدولة.
لقد حان الوقت لتدرك الشرعية، برئاستها وحكومتها، أن قطار التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن شرعية الوجود على الأرض أقوى من شرعية الحبر على الورق.
إن استمرار هذا الجمود والبرود السياسي أمام النيران المشتعلة تحت أقدام الحوثيين هو تكريس للوضع القائم، وتفريط غير مغفور بتضحيات اليمنيين.
إن الرهان الحقيقي لإسقاط الانقلاب كان وسيبقى هو الداخل اليمني، وإذا لم تستيقظ الشرعية من سباتها لتلتحم بهذا الوعي الشعبي المتفجر وتقود معركة الكرامة بأدوات حازمة ورؤية وطنية مستقلة، فإن التاريخ لن يرحم المتقاعسين، وسيكتب الشعب بدمائه فصلاً جديداً من التحرر، متجاوزاً كل من خذله في لحظة التحول الكبرى.