تبخر أوهام التسوية.. هل أجمع العالم على الحسم العسكري لإسقاط الحوثي؟
وضعت التطورات العسكرية المتلاحقة في الساحة اليمنية والمنطقة المسمار الأخير في نعش التهدئة الهشة المستمرة منذ عام 2022.
ومع القصف الدفاعي الذي طال مدرج مطار صنعاء لمنع اختراقه من قبل طائرة ماهان إير الإيرانية، ورد المليشيا الحوثية بمحاولات استهداف العمق السعودي والمنشآت المدنية، بدا واضحاً أن الإقليم والمجتمع الدولي يعيدان صياغة استراتيجيتهم الجيوسياسية تجاه اليمن، بعد أن أثبتت الوقائع أن مقاربة السلام السياسي مع مليشيا عقائدية مرتهنة للخارج هي مقاربة غير مجدية.
القشة التي قصمت ظهر التهدئة
لم تكن أزمة الطائرة الإيرانية التي اضطرت للهبوط في الحديدة مجرد حادثة عابرة، بل كانت إعلاناً حوثياً صريحاً بكسر السيادة اليمنية ومحاولة فرض أمر واقع يخدم الأجندة الصفوية.
هذا التحدي السافر دفع الحكومة اليمنية الشرعية، بإسناد إقليمي وضغوط دولية، للرد الحازم؛ حيث أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أن صبر الدولة قد نفد، وأن استهداف المطار كان إجراءً دفاعياً لرفض شرعنة الاختراق الإيراني.
هذا الموقف عكس تحولاً جذرياً في العقلية السياسية للشرعية، التي انتقلت من مربع امتصاص الاستفزازات إلى مربع الردع المباشر، حسب ما يراه مراقبون وسياسيون.
تلازم الساحات.. الذيل يترنح تحت ضربات الرأس
يتزامن هذا التصعيد الميداني في اليمن مع ضربات أمريكية وإقليمية وصفت بأنها الأعنف والأكثر وجعاً في عمق النظام الإيراني.
ويرى مراقبون عسكريون أن الهجمات الحوثية الأخيرة بالصواريخ والمسيرات نحو الجوار ليست سلوك قوة، بل هي رقصة المذبوح ومحاولة يائسة لتخفيف الخناق الدولي المطبق على طهران. ومع تداعي المركز رأس الأفعى، تصاب الأطراف الذيل الحوثي بحالة من الذعر والارتباك العسكري، مما يفقدها القدرة على المناورة الطويلة، خصوصاً مع تجديد الحظر المالي والملاحي على شبكات تمويلها وعملياتها الإرهابية.
قناعة دولية متأخرة
على مدى سنوات، ضغط المجتمع الدولي والأمم المتحدة باتجاه تمديد الهدن وصياغة اتفاقات سلام بدءاً من ستوكهولم إلى تفاهمات مسقط، إلا أن مليشيا الحوثي استغلت هذه الفترات كاستراحة محارب لإعادة التموضع وحفر الخنادق وتجنيد الأطفال.
اليوم ومع تهديد المليشيا المباشر لخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستهدافها للمطارات المدنية، تبخرت تلك الأوهام الدبلوماسية.
وباتت العواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن التي منحت الضوء الأخضر لتحركات عسكرية أوسع، تدرك أن إسقاط مشروع المليشيا عسكرياً هو السبيل الوحيد المستدام لتأمين ممرات التجارة العالمية واستعادة الدولة اليمنية لسيادتها.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تُشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المنطقة تقف على أعتاب جولة عسكرية شاملة ومختلفة عن سابقاتها. فالقوات المسلحة اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية على مختلف الجبهات، مستفيدة من الغطاء الدولي الرافض للبلطجة الحوثية، ومن ضعف الإمداد الإيراني اللوجستي الذي تضرر بفعل الضربات المركزة على طهران.
إن كل المؤشرات تؤكد أن الرهان الحوثي على الصمود هو رهان صفري خاسر؛ فالمنطق التاريخي يفرض حتمية انكماش الذيل بعد تهشيم الرأس، ليعود اليمن في نهاية المطاف، حسب الكثير من التوقعات السياسية والعسكرية، إلى حاضنته العربية الأصيلة، مدفوعاً بوعي وطني يرفض التبعية والارتهان.