الحوثيون وحرب إيران: عندما تتحول اليمن إلى رهينة لمشروع طهران
التصعيد الحوثي ليس دفاعاً عن اليمن.. بل هروب من استحقاقات الداخل
لم يعد ممكناً التعامل مع الخطاب الحوثي التصعيدي باعتباره مجرد رد فعل على الضربات الأمريكية ضد إيران، أو باعتباره موقفاً مبدئياً من الصراع الإقليمي. فالحقيقة الأكثر وضوحاً أن مليشيا الحوثي تحاول مرة أخرى اختطاف اليمن وتحويله إلى جبهة إضافية في حرب لا علاقة للشعب اليمني بقرارها ولا بمصالحها.
فبينما يعيش اليمنيون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخهم الحديث، وبينما يعاني ملايين المواطنين من الفقر والجوع وانقطاع الرواتب وانهيار الخدمات، تخرج قيادة الحوثيين لتعلن التعبئة والتهديد والوعيد، وكأن أولوية اليمنيين ليست الخبز والراتب والكهرباء والمستشفى، بل الدخول في حرب جديدة دفاعاً عن نظام إيراني يخوض معركته الخاصة.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً:
لماذا يريد الحوثيون جر اليمن إلى حرب جديدة؟
الحوثيون لا يدافعون عن اليمن.. بل يدافعون عن مشروعهم
منذ انقلابهم على الدولة، عمل الحوثيون على تقديم أنفسهم باعتبارهم جزءاً من محور إقليمي يتجاوز الحدود اليمنية. ومع مرور الوقت، أصبحت مصالح الجماعة مرتبطة بصورة متزايدة بمصالح طهران وحساباتها.
ولهذا فإن أي ضربة توجه إلى إيران تتحول في الخطاب الحوثي إلى «عدوان على الأمة»، وأي ضغط على طهران يتحول إلى مبرر لتعبئة اليمنيين.
لكن الحقيقة التي يحاول الحوثيون إخفاءها هي أن اليمن ليس إيران، والشعب اليمني ليس وقوداً لمعارك الحرس الثوري، واليمنيون لم يفوضوا جماعة مسلحة لتقرر نيابة عنهم الدخول في حرب إقليمية.
إن محاولة تحويل اليمن إلى جبهة في الحرب الأمريكية–الإيرانية ليست دفاعاً عن السيادة اليمنية، بل هي في جوهرها مصادرة جديدة للقرار الوطني.
فكما صادرت الجماعة الدولة، وصادرت المؤسسات، وصادرت الجيش، وصادرت الموارد، فإنها تريد اليوم مصادرة قرار الحرب والسلام، لتجعل من اليمن ورقة تستخدمها طهران متى احتاجت إلى الضغط على خصومها.
الحرب الخارجية: وسيلة للهروب من فضيحة الداخل
لا يمكن فصل التصعيد الحوثي عن الوضع الداخلي الكارثي في مناطق سيطرة الجماعة.
فاليمنيون يواجهون:
انهياراً اقتصادياً متواصلاً.
فقراً وبطالة واسعة.
تدهوراً في الخدمات.
أزمة رواتب مستمرة.
انهياراً في التعليم والصحة.
تراجعاً في القدرة الشرائية.
تضييقاً على الحريات.
مصادرة للموارد العامة.
وتغولاً غير مسبوق لجهاز أمني وعسكري خارج مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا الواقع، فإن العودة إلى خطاب الحرب تمثل بالنسبة للحوثيين محاولة للهروب من الأسئلة التي لا يريدون الإجابة عنها.
أين الرواتب؟
أين عائدات الموارد؟
أين مؤسسات الدولة؟
أين ذهبت الأموال؟
لماذا يعيش المواطن في الفقر بينما تُنفق الموارد على الجبهات والتسليح؟
بدلاً من الإجابة عن هذه الأسئلة، يريد الحوثيون إعادة إنتاج العدو الخارجي.
فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالراتب، قالوا: «المؤامرة».
وكلما طالب المواطن بالخدمات، قالوا: «العدوان».
وكلما ارتفعت الأصوات الرافضة للفساد، قالوا: «الجبهة».
وهكذا تحولت الحرب، بالنسبة للجماعة، إلى وسيلة لإسكات المجتمع وإلغاء السياسة وتعطيل المحاسبة.
الحوثيون بحاجة إلى الحرب أكثر من حاجتهم إلى السلام
السلام الحقيقي يمثل مشكلة جوهرية بالنسبة للمليشيا الحوثية.
فالسلام يعني:
عودة مؤسسات الدولة.
توحيد المؤسسات المالية.
إنهاء اقتصاد الحرب.
فتح ملف الموارد.
إعادة بناء الجيش والأمن على أسس وطنية.
إنهاء الجبايات.
إطلاق الحريات.
وفتح الباب أمام مساءلة المسؤولين عن سنوات الحرب والانتهاكات.
ولهذا فإن الجماعة التي بنت قوتها على الحرب تجد نفسها في مأزق أمام السلام.
فالحوثي يستطيع أن يحكم في ظل الطوارئ، والتعبئة، والخوف، والشعارات، لكنه يواجه اختباراً حقيقياً عندما يصبح مطالباً بإدارة دولة وتقديم خدمات وتحمل مسؤولية الفشل.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الحالي باعتباره محاولة لإعادة اليمن إلى المربع الذي تجيده الجماعة:
مربع الحرب، لا مربع الدولة.
إيران تقاتل من أجل مصالحها.. فلماذا يدفع اليمنيون الثمن؟
من حق إيران أن تدافع عن مصالحها وفق حساباتها، ومن حق الولايات المتحدة أن تتخذ قراراتها وفق مصالحها، لكن السؤال الذي يخص اليمنيين هو:
لماذا يجب على اليمن أن يدفع ثمن صراع الآخرين؟
لماذا يجب أن تتعرض الموانئ اليمنية للخطر؟
لماذا يجب أن تتوقف الملاحة؟
لماذا يجب أن يتعرض الاقتصاد اليمني لمزيد من العقوبات؟
لماذا يجب أن تتحول المدن اليمنية إلى أهداف عسكرية؟
ولماذا يُطلب من المواطن اليمني الفقير أن يموت دفاعاً عن نظام سياسي خارج حدود بلاده؟
إن هذه الأسئلة تكشف جوهر المشكلة: الحوثيون لا يتعاملون مع اليمن باعتباره دولة ذات مصالح مستقلة، بل باعتباره ساحة مفتوحة لخدمة مشروعهم الإقليمي.
التصعيد الحوثي هو أيضاً رسالة إلى الداخل
الخطاب الحوثي لا يتوجه إلى الخارج فقط.
إنه يتوجه إلى الداخل اليمني برسالة واضحة:
لا تسألوا عن الرواتب، لا تسألوا عن الفقر، لا تسألوا عن الفساد، لا تسألوا عن الدولة.. فهناك حرب جديدة.
وهذه هي أخطر وظيفة للتصعيد.
فالجماعة تريد أن تضع المجتمع أمام خيار زائف:
إما أن تكون مع الحوثيين، وإما أن تكون مع «العدوان».
لكن اليمنيين يعرفون اليوم أن هذا الابتزاز السياسي لم يعد قادراً على إخفاء الحقيقة.
فمن دمر الدولة ليس المواطن اليمني.
ومن صادر المؤسسات ليس المواطن اليمني.
ومن فرض الجبايات ليس المواطن اليمني.
ومن أوقف الرواتب ليس المواطن اليمني.
ومن حوّل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي ليس المواطن اليمني.
إن المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الوضع تقع على الجماعة التي قررت أن تجعل الحرب نظام حكم، وأن تجعل التعبئة بديلاً عن الدولة، وأن تجعل الولاء لمشروعها فوق الولاء لليمن.
الخطر الأكبر: جر اليمن إلى حرب لا يستطيع تحملها
إن أي قرار حوثي بفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر أو ضد دول المنطقة لن يكون قراراً بطولياً كما تحاول الدعاية الحوثية تصويره.
بل سيكون قراراً كارثياً على اليمن.
فاليمن، بعد سنوات الحرب، لا يملك اقتصاداً قادراً على تحمل مواجهة جديدة، ولا بنية تحتية قادرة على تحمل ضربات واسعة، ولا مجتمعاً يحتمل مزيداً من النزوح والدمار.
ومع ذلك، فإن الحوثيين قد يكونون مستعدين للمغامرة؛ لأنهم لا يدفعون وحدهم ثمن الحرب.
القيادة الحوثية تملك مواردها، وشبكاتها، ومصالحها، بينما يدفع المواطن اليمني الثمن من دمه وراتبه وأمنه ومستقبل أبنائه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الجماعة التي تتحدث عن السيادة هي نفسها التي تسمح بتوظيف الأراضي اليمنية في صراع خارجي.
والجماعة التي تتحدث عن الاستقلال هي نفسها التي تجعل قرارها العسكري مرتبطاً بمحور إقليمي.
والجماعة التي تزعم الدفاع عن الشعب هي نفسها التي تريد من الشعب أن يدفع ثمن حرب لم يستشر فيها.
لا يجوز أن تتحول القبيلة اليمنية إلى وقود لمشروع خارجي
كما أن محاولة إعادة التعبئة القبلية تحت شعارات الحرب الإقليمية تمثل خطراً آخر.
فالقبيلة اليمنية جزء أصيل من المجتمع، ولها تاريخ طويل في حماية الأرض وحفظ السلم والوساطة الاجتماعية. لكنها ليست مخزناً بشرياً مفتوحاً لتعبئة المقاتلين خدمة لمشروع عابر للحدود.
لقد حاول الحوثيون خلال السنوات الماضية تفريغ الأعراف القبلية من مضمونها الوطني والاجتماعي، وتحويلها إلى أدوات للتعبئة والإخضاع.
واليوم، مع التصعيد الإقليمي، قد يحاولون استخدام القبيلة مرة أخرى لإرسال أبناء اليمن إلى جبهات لا تخدم اليمن.
لكن الموقف الوطني الحقيقي يجب أن يكون واضحاً:
لا حرب بالوكالة، ولا تعبئة لمصلحة الخارج، ولا تحويل أبناء اليمن إلى جنود في معارك الآخرين.
سقوط إيران لا يعني سقوط اليمن
ومن المهم التمييز بين إيران واليمن.
فإذا تعرضت إيران لهزيمة عسكرية أو سياسية، فهذا لا يعني أن اليمن يجب أن ينهار معها.
وإذا دخلت طهران في مواجهة مع واشنطن، فهذا لا يعني أن اليمنيين مطالبون بالدخول في المواجهة.
وإذا كانت إيران تملك القدرة على تحمل تبعات قراراتها، فإن اليمن، المنهك من الحرب، لا يستطيع تحمل مغامرات جديدة.
ومن هنا فإن مصلحة اليمن الحقيقية هي في:
النأي بالبلاد عن الصراع الإقليمي، واستعادة القرار الوطني، وإنهاء عسكرة الدولة والمجتمع، والعودة إلى مسار سياسي يضع مصالح اليمنيين فوق حسابات طهران وواشنطن وأي عاصمة أخرى.
الخلاصة: الحوثي يريد يمنًا في حالة حرب دائمة
إن قراءة الخطاب الحوثي التصعيدي تقود إلى نتيجة واضحة:
الحوثيون لا يملكون مشروع سلام حقيقي، لأن استمرار الحرب هو البيئة التي تضمن استمرار سيطرتهم.
فالحرب تمنحهم:
مبرراً للقمع.
غطاءً للفشل.
وسيلة للتعبئة.
مبرراً للجبايات.
فرصة لتأجيل الاستحقاقات السياسية.
ووسيلة لإخفاء حقيقة الأزمة الداخلية.
لكن اليمن لا يمكن أن يبقى رهينة إلى الأبد.
فالشعب الذي دفع ثمن الحرب لن يقبل أن يدفع ثمن حرب جديدة من أجل إنقاذ مشروع إقليمي.
واليمن الذي تم اختطاف قراره لسنوات لن يبقى إلى الأبد رهينة لجماعة مسلحة.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين اليمن وإيران أو اليمن والولايات المتحدة.
المعركة الحقيقية هي بين:
مشروع الدولة اليمنية، ومشروع المليشيا.
بين:
قرار وطني مستقل، وقرار مرتبط بمحور خارجي.
بين:
السلام الذي يعيد بناء اليمن، والحرب التي تعيد إنتاج سلطة الحوثيين.
ولهذا فإن كل تصعيد جديد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دفاعاً عن اليمن، بل ينبغي أن يُطرح السؤال الحقيقي:
من المستفيد من استمرار الحرب؟
والإجابة، بعد كل هذه السنوات، لم تعد غامضة.
المستفيد هو من لا يريد دولة، ولا مؤسسات، ولا رقابة، ولا سلاماً حقيقياً.
أما اليمنيون، فقد دفعوا الثمن بما يكفي.
آن الأوان أن يعود القرار إلى اليمن، وأن تنتهي تجارة الحرب، وأن يسقط المشروع الذي جعل من اليمن رهينة لمغامراته الداخلية وارتهاناته الخارجية.