غياب لقاحات الأطفال في اليمن.. أزمة صامتة تحيي الأوبئة المنسية
في الوقت الذي يواجه فيه اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والصحية في العالم، تتفاقم أزمة جديدة تنذر بعواقب كارثية، تتمثل في انعدام أو النقص الحاد في لقاحات الأطفال الأساسية بمناطق واسعة من البلاد. ويثير هذا الوضع مخاوف متزايدة لدى الأطباء والأسر، مع تراجع برامج التحصين الروتيني وارتفاع احتمالات عودة أمراض فتاكة كان العالم قد نجح في الحد منها بفضل حملات التطعيم.
ولا تقتصر خطورة الأزمة على نقص اللقاحات فحسب، بل تمتد إلى تهديد جيل كامل من الأطفال الذين أصبحوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة إذا توافرت اللقاحات في الوقت المناسب.
أمراض تعود من جديد
يحذر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تعطل برامج التحصين سيؤدي إلى زيادة انتشار أمراض مثل شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا والنكاف والسعال الديكي، وهي أمراض قد تسبب مضاعفات خطيرة تصل إلى الإعاقات الدائمة أو الوفاة، خصوصاً بين الرضع والأطفال دون سن الخامسة.
ويؤكد خبراء وأطباء أن انخفاض معدلات التغطية باللقاحات يخلق بيئة مناسبة لعودة الأوبئة، بعد سنوات من الجهود المحلية والدولية للحد منها، وهو ما يجعل أي تأخير في توفير اللقاحات خطراً يتجاوز الفرد ليهدد المجتمع بأكمله.
الحصبة.. مرض بسيط في الظاهر لكنه قد يكون قاتلاً
ورغم أن كثيرين ينظرون إلى الحصبة باعتبارها مرضاً عادياً، فإنها تعد من أكثر الأمراض المعدية خطورة لدى الأطفال غير المطعمين، إذ قد تؤدي إلى التهاب رئوي حاد أو التهاب الدماغ أو سوء التغذية، وتنتهي في بعض الحالات بالوفاة أو بإعاقات دائمة.
كما أن الأطفال الذين لم يحصلوا على جرعات التحصين يكونون أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات شديدة مقارنة بالأطفال الملقحين.
شلل الأطفال.. خطر يهدد جيلاً كاملاً
ويعد شلل الأطفال من أخطر الأمراض التي قد تعود للانتشار في حال استمرار انخفاض معدلات التطعيم، إذ يهاجم الجهاز العصبي وقد يتسبب في شلل دائم خلال ساعات، بينما لا يوجد علاج يقضي على المرض بعد الإصابة به، ما يجعل اللقاح الوسيلة الوحيدة والأكثر فاعلية للوقاية.
وتحذر منظمات الصحة الدولية باستمرار من أن أي فجوة في برامج التحصين قد تسمح بعودة الفيروس إلى المجتمعات التي تعاني ضعفاً في الخدمات الصحية.
منظمة الصحة العالمية تحذر من فجوات التحصين
أكدت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في أكثر من مناسبة أن اليمن لا يزال يواجه تحديات كبيرة في مجال التحصين، مع استمرار تسجيل حالات لفيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح، إضافة إلى تفشي الحصبة في عدد من المحافظات نتيجة انخفاض معدلات التطعيم.
وتشير المنظمات الدولية إلى أن ضمان وصول اللقاحات لجميع الأطفال يمثل أولوية صحية وإنسانية عاجلة، باعتباره أحد أكثر التدخلات الطبية فاعلية في إنقاذ الأرواح والحد من انتشار الأمراض.
الأطفال يدفعون الثمن
وبينما تتبادل الأطراف المختلفة الاتهامات بشأن أسباب نقص اللقاحات، يبقى الأطفال هم الضحية الأولى لهذه الأزمة، إذ يجد آلاف الآباء أنفسهم عاجزين عن تحصين أبنائهم رغم إدراكهم للمخاطر الصحية التي تهددهم.
ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن استمرار الانقطاع سيؤدي إلى تراكم أعداد الأطفال غير المطعمين، ما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض على نطاق واسع خلال الأشهر والسنوات المقبلة.
دعوات لتحرك عاجل
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب تحركاً فورياً من السلطات الصحية والمنظمات الدولية والشركاء الإنسانيين لضمان توفير اللقاحات بصورة منتظمة في جميع المحافظات، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو إدارية.
كما يشددون على أهمية استمرار حملات التوعية المجتمعية بأهمية التحصين، باعتباره أحد أهم الإنجازات الصحية التي ساهمت في خفض وفيات الأطفال حول العالم.
كارثة يمكن تجنبها
ويجمع المختصون على أن انعدام لقاحات الأطفال ليس مجرد نقص في دواء، بل تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل. فكل يوم يتأخر فيه وصول اللقاحات يعني ازدياد عدد الأطفال المعرضين للإصابة بأمراض كان يمكن الوقاية منها بجرعة لقاح بسيطة، الأمر الذي يجعل التحرك العاجل ضرورة إنسانية وصحية لا تحتمل المزيد من التأخير.