تعيينات الشرعية اليمنية تحت المجهر.. جدل المحسوبية يضع معيار الكفاءة أمام اختبار جديد

أعادت تعيينات حكومية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، خلال الفترة الأخيرة، ملف المحسوبية وتكافؤ الفرص إلى واجهة النقاش العام، وسط انتقادات من ناشطين ومراقبين يرون أن استمرار اختيار المسؤولين عبر دوائر النفوذ والعلاقات العائلية والسياسية يضعف ثقة اليمنيين بمؤسسات الدولة ويقوّض الحديث الرسمي عن بناء مؤسسات قائمة على الكفاءة والنزاهة.

ويأتي الجدل في وقت تؤكد فيه الحكومة اليمنية أن تشكيل مؤسساتها واختيار مسؤوليها يفترض أن يستند إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة والسجل الإداري، فيما تشير تقارير ومواقف سياسية إلى استمرار تأثير المحاصصة والاعتبارات السياسية في عملية توزيع المناصب.

بين انتقاد الحوثيين وتكرار الممارسات

ويرى مراقبون، أن المفارقة الأكثر إثارة للجدل تتمثل في انتقاد الحكومة والقوى المناهضة لمليشيات الحوثي لسياسة التعيينات القائمة على القرابة والولاء والانتماء، بينما تظهر في المقابل اتهامات مماثلة بشأن بعض التعيينات في مؤسسات الدولة الواقعة تحت نفوذ الشرعية.

وبحسب المراقبين، فإن المشكلة لا تتعلق بشخص بعينه، ولا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة مسبقة لأي مسؤول أو مسؤولة، وإنما تكمن في غياب الشفافية الكافية حول آليات الاختيار والمعايير التي تحدد أهلية المرشحين للمناصب العامة.

وأكدوا أن وجود أكثر من شخص من العائلة أو الدائرة الاجتماعية نفسها في مواقع رسمية أو استشارية لا يمثل بحد ذاته دليلًا على مخالفة قانونية أو فساد، لكنه يصبح موضع تساؤل مشروع عندما يتكرر دون إعلان معايير واضحة للمفاضلة، أو عندما تغيب المنافسة العلنية وتكافؤ الفرص.

الحكومة تتحدث عن "الكفاءة والنزاهة"

ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الحكومة اليمنية، خلال مشاورات تشكيلها الجديدة في يناير/كانون الثاني 2026، أن اختيار أعضائها يستند إلى معايير تشمل النزاهة والكفاءة المهنية والخبرة العملية والسجل الإداري النظيف والقدرة على تنفيذ برنامج الحكومة.

كما نقلت تقارير صحفية عن مصادر سياسية، أن رئيس الوزراء شائع الزنداني واجه ضغوطًا من قوى ومكونات سياسية تسعى إلى ضمان حصصها في التشكيل الحكومي، في مقابل مساعٍ لتشكيل حكومة أكثر انسجامًا وأقل خضوعًا للولاءات الحزبية.

وتشير تغطيات أخرى إلى أن المحاصصة السياسية والجغرافية ظلت عاملًا مؤثرًا في تشكيل الحكومات اليمنية، رغم التأكيدات الرسمية المتكررة على اعتماد الكفاءة والخبرة.

الوظيفة العامة بين الاستحقاق والواسطة

ويرى مراقبون، أن جوهر المشكلة يتجاوز تعيينًا بعينه إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الخدمة العامة في اليمن: هل أصبحت المناصب الحكومية حقًا تنافسيًا مفتوحًا أمام أصحاب الخبرة، أم أنها في بعض الحالات تتحول إلى مكافآت للولاء السياسي والاجتماعي؟

ويشير هؤلاء إلى أن اتساع دائرة البطالة وتراجع فرص العمل، في ظل سنوات الحرب والانقسام، يجعل الوصول إلى وظيفة عامة أو منصب إداري مسألة شديدة الحساسية لدى اليمنيين، خصوصًا عندما يشعر أصحاب المؤهلات بأن العلاقات الشخصية تسبق الخبرة والتخصص.

وقد حذرت تقارير يمنية سابقة من أن تعيين الأقارب وأصحاب النفوذ يمكن أن يؤدي إلى إدارة مؤسسات الدولة لمصلحة مجموعات محددة، ويؤثر سلبًا في ثقة المواطنين بالحكومة ومؤسساتها.

الجدل حول تعيين النساء.. الكفاءة أولًا

ويشمل الجدل كذلك حضور النساء في المناصب العامة، إلا أن مراقبين يحذرون من تحويل النقاش إلى تقييم للمرأة على أساس مظهرها أو لباسها أو حياتها الخاصة.

ويؤكد هؤلاء أن المعيار الصحيح يجب أن يكون واحدًا للرجال والنساء على حد سواء: المؤهل، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على أداء الوظيفة، ووجود مسار واضح وشفاف للوصول إليها.

وفي هذا السياق، شهدت الحكومة اليمنية الجديدة حضورًا نسائيًا لافتًا مقارنة بالحكومات السابقة، إذ ضمت ثلاث وزيرات، وفق تحليل لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، الذي رأى أن التحدي يتمثل في تجاوز المشاركة الرمزية إلى تمكين النساء من إحداث تغيير فعلي داخل مؤسسات الدولة.

وبالتالي، فإن الاعتراض على تعيين امرأة ينبغي ألا يقوم على كونها امرأة أو على مظهرها، بل على الأسئلة ذاتها التي ينبغي طرحها بشأن أي تعيين: ما مؤهلاتها؟ وما خبرتها؟ وما طبيعة المنافسة التي سبقت اختيارها؟ وهل توجد معايير معلنة يمكن للرأي العام التحقق منها؟

الإصلاح يبدأ من قواعد التعيين

يقول مراقبون، إن معالجة أزمة الثقة لا تحتاج إلى بيانات سياسية جديدة بقدر ما تحتاج إلى إجراءات عملية، من بينها نشر السير الذاتية للمسؤولين المعينين، وتوضيح أسباب اختيارهم، وإعلان معايير شغل الوظائف القيادية، وتعزيز دور أجهزة الرقابة والخدمة المدنية، ومنع تضارب المصالح.

ويرون، أن تطبيق هذه المعايير بصورة متساوية من شأنه أن يمنح الحكومة قدرة أكبر على الدفاع عن قراراتها، ويمنع تحويل كل تعيين إلى مادة للاتهامات المتبادلة.

كما أن الشفافية، بحسب تقديراتهم، تسمح بالتمييز بين المحسوبية الفعلية وبين مجرد وجود صلة عائلية لا علاقة لها بأهلية الشخص المعين، وهو تمييز ضروري لتجنب الظلم والتشهير بالأفراد.

معركة الشرعية ليست عسكرية فقط

ويخلص مراقبون إلى أن استعادة الدولة في اليمن لا تتعلق فقط بالسيطرة على الأرض أو مواجهة مليشيا الحوثي عسكريًا، وإنما تشمل أيضًا بناء نموذج مؤسسي مختلف قادر على إقناع المواطن بأن الدولة تمنح الفرصة وفق الكفاءة والاستحقاق.

فإذا كانت الشرعية تريد تقديم نفسها باعتبارها البديل عن سلطة تقوم على الولاء والانتماء والمحسوبية، فإن عليها، بحسب المراقبين، أن تجعل الشفافية وتكافؤ الفرص جزءًا من ممارستها اليومية، لا مجرد شعارات سياسية.

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو معركة بناء الثقة واحدة من أصعب المعارك؛ إذ لا يكفي أن تقول المؤسسات إنها تختار الأكفأ، بل يتعين عليها أن تقدم للرأي العام ما يثبت ذلك.

إن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يكون عدد القرارات والتعيينات الصادرة، وإنما قدرة هذه التعيينات على إنتاج مؤسسات أكثر كفاءة ونزاهة، وإقناع اليمنيين بأن الوظيفة العامة تكليف لخدمة المجتمع وليست امتيازًا تنتقل مفاتيحه داخل دوائر النفوذ.