12 عاماً على النكبة: 21 سبتمبر.. يوم اليمن الأسود الذي أحرق الحاضر ولغّم المستقبل
دخل اليمن في 21 سبتمبر 2014 نفقاً مظلماً لم يخرج منه حتى اليوم، حيث يمثل هذا التاريخ في وجدان اليمنيين "اليوم الأسود" ونكبة القرن الحادي والعشرين. ففي مثل هذا اليوم، قوضت مليشيا الحوثي الإرهابية التوافق الوطني واجتاحت العاصمة صنعاء بقوة السلاح، لتسقط مؤسسات الدولة وتبدأ مسيرة تدمير ممنهجة طالت الإنسان والهوية والاقتصاد، محولةً اليمن السعيد إلى مسرح لأكبر أزمة إنسانية في العالم المعاصر.
خنجر في ظهر الجمهورية
لم يكن اقتحام العاصمة صنعاء مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كان طعنة غادرة في جسد النظام الجمهوري ومخرجات الحوار الوطني الشامل التي توافق عليها كافة أبناء اليمن.
تحركت المليشيا الحوثية مدفوعة بأجندة طائفية، وتحت لافتات مخادعة تدعي محاربة الفساد وخفض سعر المشتقات النفطية، لتكشف الأيام سريعاً زيف تلك الشعارات.
فور إحكام قبضتها على المؤسسات السيادية، باشرت المليشيا الحوثية إحلال عناصرها وسلالتها في مفاصل الدولة عبر ما تسمى اللجنة الثورية العليا، ثم اجتاحت المعسكرات ونهبت مخازن السلاح الاستراتيجي للجيش اليمني، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطيران الحربي، لتسخره لاحقاً في قصف المدن اليمنية ومحاصرة المحافظات التي رفضت الانقلاب، وفي مقدمتها تعز ومأرب وعدن.
تجويع ممنهج
اقتصادياً، أحدثت نكبة 21 سبتمبر شللاً تاماً في المنظومة المالية للبلاد. قامت المليشيا الحوثية بنهب الاحتياطي النقدي الأجنبي في البنك المركزي اليمني بصنعاء، والذي كان يقدر بـ4.8 مليار دولار، وتسخيره بالكامل لما يسمى المجهود الحربي.
ولم تتوقف الكارثة عند هذا الحد، بل قطعت المليشيا رواتب الموظفين الحكوميين منذ عام 2016، مستخدمةً سياسة التجويع والإفقار الممنهج كأداة لإخضاع المواطنين وسوق الشباب والأطفال إلى جبهات القتال.
وفي المقابل، أنشأت المليشيا سوقاً سوداء ضخمة للمشتقات النفطية والغاز المنزلي، وفرضت جبايات وإتاوات غير قانونية تحت مسميات طائفية متعددة مثل الخمس وأسبوع الشهيد والمولد... إلخ، مما أدى إلى انهيار القطاع الخاص وازدياد رقعة الفقر لتشمل أكثر من 80% من السكان.
تجريف الهوية الوطنية والتعليم
تدرك المليشيا الحوثية أن استمرار مشروعها مرتبط بطمس الهوية اليمنية السبئية الحميرية، ولذلك وجهت ضربة قاضية لقطاع التعليم. عمدت المليشيا إلى تسييس المناهج الدراسية، وحذفت الرموز الوطنية لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، واستبدلتها بمفاهيم طائفية تعزز ثقافة العنف، والتبعية، والحق الإلهي المزعوم في الحكم.
وتحولت المدارس والجامعات في مناطق سيطرة الحوثيين إلى منصات للاستقطاب الطائفي والمراكز الصيفية التي تُعد بمثابة معسكرات تعبئة فكرية وعسكرية للأطفال.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن مليشيا الحوثي جندت أكثر من 10 آلاف طفل، وزجت بهم في محرقة الحرب، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية وحقوق الطفل.
إرهاب الألغام والانتهاكات
أما على صعيد الانتهاكات الحقوقية، فقد حولت المليشيا الحوثية اليمن إلى أكبر حقل ألغام في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. زرعت أكثر من مليوني لغم بشكل عشوائي في المزارع، والطرقات، والمدارس، والبيوت، مما أسفر عن مقتل وإعاقة عشرات الآلاف من المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال.
وترافق ذلك مع حملة قمع وحشية شملت اختطاف وإخفاء آلاف الناشطين، والصحفيين، والأكاديميين، والسياسيين في سجون سرية ومظلمة، حيث يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وصدرت بحق المئات منهم أحكام إعدام باطلة عبر محاكمات سياسية هزلية تفتقر لأدنى معايير العدالة.
عودة الأوبئة.. تدمير القطاع الصحي ومنع اللقاحات
صحيّاً، تسببت النكبة الحوثية في انهيار كامل للمنظومة الطبية؛ نتيجة قصف المستشفيات وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية. ولم يقتصر الأمر على نقص الأدوية والمستلزمات، بل شنت المليشيا حرباً شعواء ضد حملات التطعيم واللقاحات الطبية، وعدتها مؤامرة غربية.
هذا الفكر المتخلف أدى إلى فاجعة صحية تمثلت في عودة تفشي أمراض وأوبئة قاتلة كان اليمن قد أعلن خلوه منها قبل عقود، مثل شلل الأطفال، والحصبة، والكوليرا، والدفتيريا، مما حصد أرواح آلاف الأطفال في ظل تعتيم إعلامي حوثي شديد.
26 سبتمبر.. الحصن المنيع في مواجهة الكابوس
رغم مرور 12 عاماً على هذا اليوم الأسود، ومحاولات المليشيا الحوثية فرض أمر واقع بالحديد والنار، إلا أن الشعب اليمني يثبت يوماً بعد آخر رفضه القاطع لهذا المشروع الدخيل. ويتجلى هذا الرفض سنوياً في الاحتفالات الشعبية العارمة بعيد ثورة 26 سبتمبر المجيدة، حيث يرفع اليمنيون الأعلام الوطنية في قلب صنعاء والمناطق المختطفة، متحدّين رصاص المليشيا وبطشها.
إن نكبة 21 سبتمبر، وإن أحدثت جرحاً غائراً في جسد اليمن، إلا أنها كشفت الوجه الحقيقي القبيح لمليشيا الحوثي كحركة دمار واستهداف للحياة، وأكدت لليمنيين والعالم أنه لا استقرار، ولا تنمية، ولا سلام في اليمن والمنطقة إلا باستعادة الدولة، وإنهاء مفاعيل هذا الانقلاب المشؤوم، والعودة إلى المسار الجمهوري الديمقراطي.