اليمن.. اغتيال الأجيال وتجويع التربويين
لم تعد الحرب في اليمن مجرد جبهات تشتعل على الحدود أو قذائف تسقط في العراء، بل إن أنيابها الضارية باتت تنغرس اليوم في أقدس ما يملكه هذا الوطن: عقله ومستقبله المتمثل في أجياله الصاعدة، حيث يقف الآن ملايين الأطفال خارج أسوار المدارس، يلتهمهم رصيف الشوارع وأتون الصراعات الصامتة، في عملية اغتيال جماعي وممنهج للوعي اليمني، يُراد منها تحويل جيل كامل من الطاقات المبدعة إلى حطب لمعارك لا تنتهي، وسط جريمة تاريخية كبرى تُرتكب على مرأى ومسمع من عالم يدعي التحضر والحرية.
إن المشهد يزداد قتامة وتفحماً حين نلتفت إلى الكارثة العقائدية والفكرية التي تشهدها المدارس في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي؛ حيث تحولت قاعات العلم إلى محاضن للتعبئة، وجرى تفخيخ المناهج الدراسية وتسميمها بأدلجة طائفية سلالية ضيقة، تستهدف جرف الهوية الوطنية والجمهورية من عقول الناشئة، وزرع قيم الكراهية والفرز المجتمعي بدلاً من العلوم الحديثة والمواطنة، وهو ما يمثل قنبلة موقوتة ستنفجر صراعات ممتدة لعقود قادمة إن لم يتم تداركها.
وفي ذات الوقت الذي تُصادر فيه المليشيا العقول، فإنها تمارس أبشع صور التنكيل بالمعلم من خلال قطع رواتبه للعام العاشر على التوالي، وصلبه على مقصلة الحاجة والعوز، ومحاصرته بين مطرقة السخرة والإجبار على التدريس بلا مقابل، وسندان الجوع والملاحقة والاختطاف لكل من يطالب بلقمة العيش، مما دفع بأعمدة التربية والتعليم نحو رصيف الفقر والعمالة الشاقة لتأمين قوت أطفالهم.
ولا تتوقف فصول هذه المأساة عند حدود جغرافيا بعينها، بل تمتد لتخنق المعلم في المحافظات المحررة، والذي صار يعيش غربة قاسية وأنيناً مراً داخل بيته؛ فبالرغم من تسلمه لراتبه، إلا أن هذا الراتب المتهالك بات مجرد أرقام وهمية لا تقوى على الصمود، وعاجزاً حتى عن شراء نصف الاحتياجات الأساسية والضرورية لأسرته الشهرية، في ظل الانهيار التاريخي المتسارع للعملة المحلية والارتفاع الجنوني غير المسبوق لأسعار المواد الغذائية والخدمات، ليتحول هذا التربوي المخضرم من حامل لرسالة التنوير إلى ضحية مباشرة للاقتصاد المنهار، يطحن الغلاء عظامه ويجرده من أبسط مقومات العيش الكريم.
إن هذا التدمير الهيكلي الذي يضرب التعليم من شمال الوطن إلى جنوبه، ما بين أدلجة حوثية تصنع الخراب الفكري، وسحق اقتصادي يقتل كبرياء المعلم في المناطق المحررة، قد أفرغ المدارس من جهابذتها وحول التعليم إلى جسد بلا روح، وشكل بلا مضمون علمي رصين.
إن إنقاذ التعليم في اليمن لم يعد ترفاً فكرياً أو بنداً ثانوياً في غرف المفاوضات السياسية، بل هو قضية أمن قومي عليا ومسألة وجود تفرض تحييد المدارس والمناهج تماماً، والتدخل العاجل لإنقاذ المعلم اليمني كأولوية قصوى تسبق كل شيء، وإعادة الاعتبار المالي والمعيشي له بما يضمن صون كرامته واستقرار أسرته.
وإذا لم يستفق الضمير اليمني والعربي والدولي لينتزع القلم من بين براثن التجهيل والتجويع، فإننا لن نخسر معركة عسكرية هنا أو هناك، بل سنشهد ضياع وطن بأسره، لتصبح الأرض التي صدّرت الحكمة يوماً مجرد واحة للجهل والشتات والخراب.