التعليم في اليمن.. تجارة المدارس الخاصة وانهيار التعليم الحكومي

مع اقتراب إعلان بدء العام الدراسي الجديد في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتحديداً في الحواضر الكبرى كالعاصمة المؤقتة عدن، وتعز، ومأرب، يعود إلى الواجهة ملف يؤرق مضاجع ملايين الأسر اليمنية. 

إنه ملف قطاع التعليم الذي تحول من حق كفلته الدساتير والقوانين إلى عبء مالي ثقيل، يدفع بالمواطنين نحو مقصلة الخصخصة ومتاجرة المدارس الأهلية، في ظل انهيار متسارع وغير مسبوق للمؤسسة التعليمية الحكومية، مما يهدد بتجهيل جيل كامل ودفعه نحو أرصفة البطالة وعمالة الأطفال.

سوق سوداء 

تحولت المدارس الخاصة في اليمن من شريك مساند للتعليم الحكومي إلى ساحة استثمارية مفتوحة لتحقيق الأرباح السريعة، مستغلة في ذلك حالة التيه والضياع التي يعيشها القطاع العام. ومع كل عام جديد، تفرض هذه المدارس زيادات سعرية جنونية في الرسوم الدراسية تتجاوز في كثير من الأحيان حاجز الـ50% مقارنة بالأعوام السابقة، حتى باتت تكلفة تسجيل طفل واحد في المرحلة الابتدائية تعادل راتب موظف حكومي لعدة أشهر مجتمعة.

 ولا تتوقف هذه المتاجرة عند حدود الرسوم السنوية فحسب، بل تمتد لتشمل فرض شراء الكتب المدرسية والزي الخاص وحقائب الأنشطة حصرياً من إدارة المدرسة وبأسعار مضاعفة تصل إلى ضعف قيمتها الحقيقية في الأسواق الخارجية. وتتبع هذه المؤسسات أساليب التفافية ذكية للتهرب من الرقابة الحكومية الغائبة أصلاً، حيث تعمد إلى إعلان أسعار فلكية ثم تقدم ما تسميها خصومات صورية لإقناع أولياء الأمور بأنها تراعي ظروفهم الاقتصادية، بينما هي في الواقع تثبت أرقاماً تفوق بكثير قدرة المواطن اليمني الذي طحنته سنوات الحرب الطويلة والانهيار المتواصل للعملة المحلية.

أوراق التوت تتساقط عن جسد المدارس الحكومية

وفي المقابل، يبدو المشهد في المدارس الحكومية أكثر مأساوية وسوداوية، حيث تعيش هذه المنظومة حالة من الموت السريري والانهيار المتسلسل الذي تتعدد أسبابه وتتشابك خيوطه. 

إن أبرز هذه الأسباب يتجلى في التآكل المخيف للقيمة الشرائية لرواتب المعلمين والكادر الإداري؛ فالراتب الذي كان يغطي بالحد الأدنى متطلبات العيش بات اليوم لا يكفي لتأمين قوت بضعة أيام، مما دفع بآلاف المعلمين المؤهلين وذوي الخبرة الطويلة إلى هجرة المدارس والبحث عن أعمال بديلة كقيادة دراجات الأجرة أو العمل في مهن شاقة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم. 

هذا الهروب الجماعي خلق عجزاً هائلاً في الكادر التدريسي، لا سيما مع توقف التوظيف الحكومي الجديد منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، وإحالة عشرات الآلاف إلى التقاعد دون وجود بدلاء، مما أجبر إدارات المدارس على الاستعانة بمتطوعين غير مؤهلين تربوياً، أو إغلاق فصول دراسية كاملة ودمجها مع أخرى ليتلقى الطلاب تعليماً هزيلاً لا يسمن ولا يغني من جوع.

مرافق متهالكة وفصول تكتظ بالأوجاع

ولم يقتصر الانهيار على العنصر البشري فحسب، بل امتد ليعصف بالبنية التحتية للمؤسسات التعليمية الحكومية، حيث تعرضت مئات المدارس للدمار الكلي أو الجزئي جراء الحرب أو العمليات العسكرية، وتحولت أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين في مدن تعز ومأرب التي استقبلت مئات الآلاف من الفارين من جحيم المواجهات. 

هذا النزوح الداخلي الهائل أدى إلى تكدس مرعب للطلاب داخل الفصول المتبقية، حيث يتجاوز عدد الطلاب في الفصل الواحد داخل بعض مدارس مأرب وعدن حاجز الـ90 طالباً، مما يجعل عملية الفهم والاستيعاب أمراً شبه مستحيل. وتتضاعف هذه المعاناة مع الانقطاع الشبه كامل للتيار الكهربائي خلال أشهر الصيف القاسية، حيث يتحول الفصل الدراسي إلى أشبه بفرن حراري يفتقر لأدنى مقومات البيئة الصحية والتربوية، مما يدفع بالطلاب إلى النفور والتسرب المبكر من التعليم، والتوجه نحو الشوارع ليكونوا لقمة سائغة للأمية والاضطرابات المجتمعية.

أزمة الكتاب المدرسي والسوق السوداء للمناهج

وتكتمل فصول هذه المعاناة عند التحدث عن معضلة الكتاب المدرسي؛ إذ تعجز مطابع الكتاب المدرسي الحكومية في العاصمة المؤقتة عدن عن توفير المناهج وطباعتها نتيجة لانعدام الموازنات التشغيلية وارتفاع تكاليف الورق والأحبار، مما جعل المدارس الحكومية تفتتح عامها الدراسي بفصول بلا كتب وبطاولات خاوية. 

هذا العجز الحكومي فتح الباب على مصراعيه لظهور سوق سوداء لبيع الكتب المدرسية، حيث تُباع المناهج المطبوعة بطرق غير شرعية على أرصفة الشوارع وأمام المكتبات الخاصة بأسعار مرتفعة جداً، ليجد ولي الأمر نفسه، الذي فر من جحيم الرسوم الخاصة إلى مجانية التعليم الحكومي، مجبراً على دفع مبالغ باهظة لتوفير كتب يدرس منها أبناؤه، وإلا فإن مصيرهم سيكون الفشل أو الحرمان من مجاراة الدروس اليومية.

البنية الهيكلية وتواطؤ الصمت الرسمي

إن هذا التباين الحاد والشرخ العميق بين تعليم خاص جشع مستغل وتعليم حكومي منهار ومتهالك، يضع القطاع التعليمي في اليمن أمام مفترق طرق خطير.

 فالجهود الرسمية ومكاتب التربية والتعليم في هذه المحافظات تقف عاجزة ومشلولة، وتكتفي بإصدار تعميمات وقرارات ورقية لتحديد سقوف الرسوم الدراسية للمدارس الخاصة، وهي قرارات تظل حبراً على ورق ولا تجد طريقاً للتنفيذ لغياب آليات الرقابة والمحاسبة الفاعلة، ولتغلغل النفوذ والمصالح الشخصية لبعض مسؤولي القطاع التربوي الذين يمتلكون هم أنفسهم استثمارات في هذه المدارس الأهلية.

 هذا الواقع يكرس طبقية تعليمية مقيتة، حيث يصبح التعليم الجيد حكراً على أبناء الأثرياء والميسورين، بينما يلقى بأبناء الفقراء ومحدودي الدخل في أتون مدارس حكومية خاوية تفتقر للمعلم والكتاب والبيئة الصالحة، لتضيع معها أحلام مئات الآلاف من الأطفال في بناء مستقبل أفضل لبلد يئن تحت وطأة الحروب والأزمات المتلاحقة.